١   ٢   ٣   ٤   ٥
  
أمازال هناك عالم لنربحه؟

كتابة: نور عويضة




جرافيتي على جدار بالقرب من ساحة الشهداء في بيروت، أيار / مايو 2021.



جلس حوالي 50 شخصاً في غرفة بالطابق الحادي عشر من مبنى في شارع شمبليون بوسط القاهرة. مجموعة متنوعة من مبرمجي العروض السينمائية والموزعين والعاملين الثقافيين والسينمائيين والباحثين التأم شملها لمناقشة ممارسة برمجة الأفلام وأبعادها السياسيّة. هذا اللقاء الذي استمر ثلاثة أيام، وحمل عنوان "سينما الجنوب العالمي: ملتقى المبرمجين"، دعانا للتأمل في مواقعنا كعاملين في الجنوب العالمي ومن خلاله. حُثَّ المتحدثون والمشاركون على حد سواء على التفكير من خلال مؤتمر باندونغ الأول، الذي عُقد في إندونيسيا عام 1955، والعودة لزيارة إرث حركة عدم الانحياز المنبثقة عنه اليوم، لا سيما بعد 7 أكتوبر 2023. 1كيف يبدو التضامن الدولي في أزمنة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والاستغلال الجامح؟ كيف يمكن التفكير في الممارسات التنسيقية للأفلام كطرق للتنظيم ضد التطبيع والتواطؤ مع النظم العالمية النيوليبرالية والنيو كولونيالية التي تُمكّن وتبرر مثل هذه المذابح والاستغلال الجماعي؟

كان العالم شديد الاختلاف في الوقت الذي عُقد فيه مؤتمر باندونغ الأول. سعت حركة عدم الانحياز إلى اقتراح طريقة للتنظيم خارج الاستقطاب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وبما أن هذه التعبئة تبلورت حول نضالات محددة جداً لمقاومة الاستعمار ومناهضة الإمبريالية، فقد كان من الأسهل تعريف المعسكرات المختلفة سياسياً وجغرافياً. استُخدمت مصطلحات مثل "الدول النامية" أو "دول العالم الثالث" لتحديد البديل عن التنظيم ثنائي القطب للعالم. كان أحد أول الأشياء التي نوقشت خلال الاجتماع هو صعوبة تحديد هذه الفروق بوضوح اليوم. إن العولمة والنزعة الاستهلاكية الواسعة المرتبطة بالشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تُعرِّف عصرنا هذا من الرأسمالية المتأخرة تسطو على أي محاولات لخلق بدائل أخرى. سرعان ما يُعاد استثمار هذه البدائل في النظام كسلعة أخرى قابلة للاستهلاك. يمكننا أن نرى هذا أحياناً في تطور سياسات الهوية التي نتجت عن النضال من أجل الحقوق المدنية إلى علامات تجارية قابلة للتغليف في خدمة سياسات المساواة والتنوع والإدماج (EDI). على سبيل المثال، تناولت إحدى المحادثات التي جرت في اليوم الثاني من الاجتماع استخدام مصطلحات تعريفية مثل "الأسود" أو "العربي" أو "اللبناني" في عناوين برامج الأفلام. فمن ناحية، يخلق هذا النوع من المصطلحات شعوراً بالانتماء لمجموعات مهمشة ومُغَيَّبة عمداً، ويُعرّف الممارسات السينمائية لأقاليم أو مجتمعات معينة. أعربت إحدى المتحدثين عن اضطرارها للنضال لإدراج مصطلح "الأسود" في عنوان برنامج كانت تقوم بتنسيقه. ورأت في ذلك عملاً سياسياً، وطريقة مهمة لتعريف الممارسة السينمائية لمجتمع معين. بالنسبة لها، فإن تردد المؤسسة المضيفة في استخدام هذا المصطلح في العنوان يشير إلى رغبة في تجريد برنامج الأفلام من أي بعد سياسي، مما يصبح طريقة للمساهمة في المحو الممنهج للنضالات السياسية والاجتماعية لهذه المجتمعات. ومن ناحية أخرى، يمكن لمثل هذه المصطلحات أن تختزل الممارسات السينمائية في إقليم معين إلى محض ديناميكيات للهوية والانتماء. على سبيل المثال، عبّرتُ  عن إصرارنا على تجنب كلمة "اللبناني" في عنوان برنامج للأفلام التجريبية من لبنان كنت قد شاركت في تنسيقه قبل بضع سنوات.نظر البرنامج إلى أفلام وفيديوهات صنعت في لحظات انتقالية بعد الكوارث  بإعتبارها أعمال لا تتحدث عن الماضي فحسب، بل تستشرف أيضاً ما هو قادم. وعلى الرغم من أن البرنامج كان يتألف حصرياً من أفلام صُنعت في لبنان، فقد كان من المهم بالنسبة لنا تقديمها من خلال زاوية أخرى، مبتعدين عن الإطار القومي. سمح لنا تجنب كلمة "اللبناني" بتقديم ممارسات سينمائية تجريبية أملاها على وجه التحديد المكان الذي صُنعت فيه، دون إضفاء صفة استثنائية على تلك الخصوصية.

قادتنا مناقشة شبكات التضامن الدولية التي نشأت في أعقاب مؤتمر باندونغ عام 1955 وما نتج عن ذلك من تنظيم للمهرجانات الأفرو-آسيوية في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات إلى فحص بعض تناقضات تلك اللحظة. كيف يمكننا التفكير في حركة عدم الانحياز وهي تقود نضالات التحرر دون النظر إلى حقيقة أن العديد من القادة السياسيين المؤسسين لتلك اللحظة كانوا في الواقع طغاةً متوحشين؟ أنا لست مهتمة بالأسباب الجيوسياسية أو التاريخية لذلك، ما يهمني في هذا السؤال هو أنه يزعزع الافتراض بأن الجنوب العالمي هو مجموعة واحدة متماسكة، أي "نحن" في صورتنا المثالية متحدين ضد "هم". في الواقع، يحتوي كل "نحن" على عدد كبير من الفئات التي لا تتطابق ظروف عملها ووجودها بالضرورة – بل وقد تتناقض. ما هي طرق الالتقاء دون تدير إمكانية التعددية؟ متى يساعد استخدام مصطلحات معينة على التجمع (أو على خلق "نحن")، ومتى يُقصي (أو يخلق "هُم")؟ كيف يمكننا تعريف هذا "النحن" دون أن يصبح وسيلة لفرض الوصاية على الآخرين؟ كيف نتأكد من أن نتذكر دائماً أن "النحن" يمكن أن يكون تصنيفاً غير مستقر ومتغير كما وصفه أحد المتحدثين؟ يمكن العثور على إجابة محتملة في تأمل طُرَحَ خلال إحدى المناقشات حول المقاطعة، حيث أُطِّرت ليس كفعل أخلاقي أو قيمي بل كتكتيك تنظيمي. ربما تكون طريقة التعامل مع مصطلحات معينة هي اعتبارها أدوات للتنظيم وليست طرقاً لتعريف مجموعة أو جغرافيا.

من خلال التأمل في هذه التوترات، يمكن اعتبار استخدام مصطلح "الجنوب العالمي"، بدءاً من عنوان اللقاء نفسه، طريقة للتفكير في إرث لحظة باندونغ اليوم، وليس بالضرورة فرضاً لتعريف جغرافي واضح. في الواقع، شملت قائمة المتحدثين أقاليم تتراوح من البرازيل إلى إندونيسيا، مروراً بغانا وتونس ومصر ولبنان؛ وهي أماكن يمكن ربطها بسهولة بالتحديد المكاني للجنوب العالمي. وشمل البرنامج أيضاً مداخلة من مشارك يعمل ويقيم في بلجراد. جادل المشارك المذكور بأن من منظور تقسيم الشمال/الجنوب، فإن صربيا تقع جغرافياً في الشمال. لكن صربيا كانت أيضاً جزءاً من يوغوسلافيا، وهي عضو مؤسس في حركة عدم الانحياز عام 1961. تفكك هذه المعطيات مفهوم الجنوب العالمي من حدوده الجغرافية ويسمح لنا بتصوره كإطار سياسي غير متجذر إقليمياً يمكن أن يولد وشائج بين الشعوب والمجتمعات التي تتعرف على بعضها البعض في تجربتها المشتركة للاضطهاد تحت وطأة الرأسمالية العالمية والإمبريالية الثقافية.

واليوم، تزيد حركات الهجرة والمنفى من ضبابية هذه الحدود. فالعديد من الأشخاص يعملون ويعيشون في أقاليم متعددة أو في الشتات، ويتنقلون بين ما يُفترض أنه شمال وجنوب. وكذلك، ومنذ جائحة كوفيد، شهدنا انتقال أنشطتنا إلى مساحات افتراضية. بالطبع، تفتقر مساحات الاجتماعات غير المادية إلى دفء التفاعلات الشخصية. ولكن في أزمنة ازدياد الأمن الحدودي وتخفيض الميزانيات في القطاع الثقافي، مكنت الساحة الافتراضية من التواصل والتبادل بين الأشخاص الذين ربما لم يكن ليتاح لهم الفرصة للقاء. وكما عبر أحد المتحدثين بعبارة جميلة: "نحن أكثر ارتباطاً مما نعتقد، أو نقول." جاء هذا التأكيد البسيط ليذكرنا بأنه بقدر أهمية الاجتماع في أماكن مثل القاهرة، خارج العواصم الأوروبية والأمريكية الشمالية، فإنه قد يكون من الحيوي أيضاً الاستمرار في مضاعفة الطرق والمساحات التي نلتقي بها. أعتقد أن إحدى طرق القيام بذلك هي الحفاظ على نقاط الاجتماع بغض النظر عن قدرتها على الإنتاج أو الخروج بنتائج محددة. نحن جميعاً نعمل على مشاريع وفي مؤسسات تحت ضغط المواعيد النهائية والمخرَجات. نادراً ما يكون لدينا وقت للتفكير فيما نقوم به دون ضغط الاضطرار إلى إعداد تقرير. ربما لم يسفر الاجتماع في القاهرة، بالنسبة للبعض، عن أي إجراءات ملموسة. أما بالنسبة لي، فقد كان مساحة حيوية للقاء والتبادل بعيداً عن ضرورات إنتاج أي نتائج متماسكة وفورية.

إن خلق الروابط هو إحدى طرق تنمية التضامن، لا سيما في عالم يمكّن ويثمّن عالياً قيمة الفردية والمنافسة. أعتقد أن أحد أهم الأشياء التي خرج بها هذا الاجتماع هو أنه جمع في غرفة واحدة طرقاً مختلفة لممارسة "البديل". فخلال إحدى الجلسات، تأملت أحدى الميسرات في اسم شبكة الشاشات العربية البديلة (ناس/NAAS) متسائلةً: إلى أي بديل يشير "البديل" في اسم (ناس/NAAS)؟ جاء سؤالها نتيجة لمناقشة حول ضرورة أن تُركّز بعض دور عرض الأفلام الفنية على مهرجانات مثل كان والبندقية ولوكارنو وبرلين في استراتيجيات توزيع وإطلاق الأفلام المستقلة من المنطقة الناطقة باللغة العربية. فبالنسبة لدور السينما والموزعين هؤلاء، تُعد مهرجانات الفئة (A) ودور العرض المستقلة هي البديل لشبكة توزيع هوليوود/بوليوود. ولكن في كلتا الحالتين، تلك المنصات هي أيضاً ضمن أسواق تجارية، تحركها نسبة الحضور وهامش الربح والجوائز.

في الأماكن التي يندر فيها التمويل الثقافي أو ينعدم، تحتل مثل هذه الهياكل موقعاً معقداً لكونها في الوقت نفسه سينما فنية تجارية، ومؤسسة ثقافية، وأحياناً حتى سينماتيك. وهذا يثقل كاهل هذه الهياكل بعبء احتواء جميع البدائل الممكنة لدور العرض التجارية المتعددة الشاشات. تصعب حرية الاختيار التنسيقي أحياناً حيث تصبح هذه المؤسسات المكان الوحيد الذي تُعرض فيه أفلام معينة. وأحد آثار ذلك هو اختزال "البديل" إلى بانوراما من الأفلام التي صدرت أو رُمّمت مؤخراً. فإذا لم تعرضها دور السينما هذه، فقد لا تتاح للجمهور فرصة مشاهدتها أبداً. بينما كنا نجلس معاً في الغرفة على مدار ثلاثة أيام، أدركنا أننا أتينا من ونتواجد في أنواع مختلفة من "البدائل". فبالنسبة للبعض، تسمح لهم المهرجانات الكبرى والتوزيع القائم على الإصدارات ببناء سوق متاح للأفلام المستقلة في مناطقهم. وبالنسبة للآخرين، تفتح التعاونيات السينمائية والتجمعات المدارة من الفنانين المساحات للتجريب في نماذج مختلفة لصنع الأفلام وتمويلها وبرمجتها ومشاهدتها. تتنقل هذه البدائل المختلفة عبر شبكات قد تبدو أحياناً عوالم متباعدة، مما يجعل التقاءها في الغرفة نفسها أمراً غير متكرر. في القاهرة، اجتمعنا، وتذكرنا أن المركز ليس واحداً، بل متعدد، وكذلك هي الأطراف

أود أن أنهي هذا النص باستدعاء جملتين سجلتهما في اليوم الأول من التجمع. وقد صيغت كلتا الجملتين في محاولة لمعالجة إرث مؤتمر باندونغ. فمن ناحية، تساءل أحدهم: "كيف نجد طرقاً للتجمع في غياب يسار عالمي اليوم؟" ومن ناحية أخرى، اقترح شخص آخر أن النظر اليوم إلى المؤتمر والمهرجانات الأفرو-آسيوية هو طريقة "لإعادة التواصل مع ما كان من المحتمل أن يصير ممكناً في تلك اللحظة"، على الرغم من كل التناقضات التي يحملها. في حركة معاكسة تقريباً، تشير هاتان الجملتان إلى خسارة ما؛ فهما تعبّران عن فقدان إمكانية التجمع تحت هياكل سياسية بديلة، مختلفة عن تلك التي تنظم عالمنا حالياً. وهذا ما يصفه مارك فيشر ب"الواقعية الرأسمالية" أو "الشعور السائد بأن الرأسمالية ليست فقط النظام السياسي والاقتصادي الوحيد القابل للاستمرار، بل أصبح من المستحيل الآن تخيل بديل متماسك لها."2 يشير فيشر إلى الاقتباس الشهير لفريدريك جيمسون الذي كتب: "من الأسهل تخيل نهاية العالم عن تخيل نهاية الرأسمالية."3 حسناً، إذا كانت نهاية العالم تحدث بالفعل، في غزة والسودان وآرتساخ والكونغو، فما هو الخيار الآخر المتاح لنا سوى فتح مخيلاتنا على مصراعيها واحتضان كل الاحتمالات غير المتماسكة؟





جرافيتي على جدار في منطقة الجميزة في بيروت، آذار / مارس 2021








   
نور عويضة

صانعة ومبرمجة أفلام، تستكشف في أعمالها أشكالًا مختلفة من الكتابة الروائية في السينما. هي عضو في «مجموعة في الكاميليا» إلى جانب كارين ضومط وميرا عضوميه، وعضو في هيئة تحرير المجلّة السينمائيّة الرقميّة «Hors Champ» الصادرة من مدينة مونتريال.  شغلت بين عامي 2018 و2023 منصب منسق الشراكات ثم نائب مدير جمعيّة «متروبوليس سينما» في بيروت، حيث قامت بإدارة وتطوير مشروع «سينماتيك بيروت». تدرّس حاليًا برمجة الأفلام في بيروت.

Footnotes

  1.  احتوى الوصف القصير لهذا اللقاء على منصة إنستجرام على النص التالي: "وبمناسبة مرور 70 عاماً على مؤتمر باندونج الذي انعقد عام 1955 في إندونيسيا، سيركز الاجتماع على إرث حركة عدم الانحياز وأصدائها عبر جغرافيات سينمائية مختلفة بين الماضي والحاضر. يسلط الاجتماع الضوء أيضًا على ممارسات البرمجة المعاصرة التي تطمح إلى التحرر من الاستعمارية والمركزية الأوروبية والتفكير في إمكانات وتحديات التضامن السينمائي الدولي، لا سيما منذ السابع من أكتوبر." يمكنكم مطالعة المنشور هنا: 
    https://www.instagram.com/p/DJhHKQYqWZ1/?igsh=cmVoc3g5N3VqNmkx
  2. In Fisher, Mark. Capitalist Realism, Is there no alternative? Zero Books, 2008, p2.
  3. In Jameson, Frederic. Future City. NLR 21, p76.



Copyright ©