١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧
تواريخ تداول الأفلام بين دول الجنوب العالمي
إفضال الساكت
جرى الاجتماع أثناء وقوع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة، وكانت فلسطين في أذهان الجميع. على ضوء هذا الواقع، طُرحت عدة أسئلة مثل: ما الدور الذي تلعبه السينما في دعم سياسات التحرر في حين أنها، من وجهة نظر تاريخية وعلى يد الفاعلين الأكثر سلطة في الصناعة مثل: الموزعون والاستوديوهات وملاك قاعات السينما، لعبت دوراً كبيراً في نزع الإنسانية عن العرب والفلسطينيين ومصادرة الحقيقة وإخفاء السرديات البديلة و تكييف الناس على تقبل الإبادة؟ خلال مجريات اللقاء، تحدث أحد المشاركين عن الفيلم باعتباره أداة إبادية. حتى حينما تصنع الأفلام لتقاوم هذا الإرث، تختطف الشرائط ذاتها، بالطريقة ذاتها التي نهبت بها إسرائيل العمل الغني لوحدة الفيلم الفلسطيني في عام 1982، أو تحظى بطرح تجاري عالمي محدود.
كانت واحدة من الأسئلة الرئيسية التي طرحت أثناء الاجتماع هي كيف يمكن لدراسة المحاولات التاريخية لخلق شبكات بديلة لتوزيع الأفلام أن يكون منصة تعيننا على فهم أو تعطيل الأساليب الشائعة للعرض والتوزيع. كذلك، ما الذي يمكن للبرمجة السينمائية أن تخبرنا به بشأن لحظة زمنية محددة؟ كيف يجابه المبرمجون الأحوال السياسية والاقتصادية لزمنهم؟ ما الذي يعنيه، في الوقت الحاضر، التبادل بين دول الجنوب العالمي في سياق تشكل فيه تكتلات الإعلام وأنظمة التمويل الأوروبية المشهد السينمائي وحيث بلغت معدلات الإقبال على دور العرض السينمائي معدلات قياسية في انخفاضها؟ يمكن لتاريخ مركب لتجارة السينما أن يساعد على إثراء فهمنا للعرض السينمائي وعلى مناقشة ما تعنيه السينما بالنسبة إلى الناس العاديين.
**
على مدار العقد السابق أو نحو ذلك، ألقت الأعمال الأكاديمية الحديثة الضوء على الدور الذي لعبه الممارسون الثقافيون في الخمسينات والستينات أثناء حقبة التحرر الوطني. في قلب اهتمام بحثنا تقع المبادرات والمشروعات التي انبثقت من مؤتمر باندونج المقام عام 1955 وتبلورت في إطار منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية (م.ت.ش.أ.أ.). انعقد مؤتمر منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، التي تأسست في القاهرة عام 1957، "في جانب منها لتكريم روح باندونج وكتذكرة بالمبادئ والقيم التي مثلتها، وفي جانب منها للدفع بها خطوة إلى الأمام" بحسب ما صرح به أنور السادات الذي افتتح خطابه المؤتمر. في ذلك السياق، يسّرت المنظمة التبادل الثقافي والفكري بين الشعوب المستعمرة سابقاً وبادرت إلى إقامة سلسلة من المؤتمرات والمهرجانات والمشروعات التعاونية.
لم يكن من المفاجئ أن تصبح القاهرة مركز التبادل الأفرو-آسيوي. فبعد الإطاحة بالملكية عام 1952، اجتاحت مصر حمى من المشاعر القومية المعادية للاستعمار. في الفترة اللاحقة، جعلت القاهرة من نفسها مركزاً لحركة مناهضة الاستعمار العالمية؛ ففي عام 1956، واجهت مصر إسرائيل وبقايا الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية فيما عرف بالعدوان الثلاثي، مما وضع جمال عبد الناصر في قلب دائرة الضوء العالمية باعتباره قائداً كاريزمياً لحركة مناهضة الاستعمار. كانت مصر تعيد تعريف خيالها الجغرافي. اتحدت مصر وسوريا في عام 1958 وبلغ خطاب الوحدة العربية أوج قوته. كان عقداً من المؤتمرات والقمم ومن البحث عن مجالات جديدة للتعاون ولإعادة تخيل المشهد العام العربي. وعلى الرغم من القيود المتزايدة داخلياً، غمرت أنباء حركات التحرر في أفريقيا وآسيا الصحافة المصرية.
في هذا السياق، ينصب اهتمام دارسي ومؤرخي السينما على مهرجان السينما الأفرو-آسيوية. فباستثناء بعض الدوائر الأكاديمية المحدودة، لطالما تم تجاهل المهرجان من حيث كونه تجربة "عالم-ثالثية" منسية تتقاطع فيها شبكات وتبادلات دول الجنوب العالمي، وباعتباره تجربة محفوفة بالتوترات هائلة التفاؤل نظمت ثلاث مرات (طشقند 1958 والقاهرة 1960 وجاكارتا 1963) قبل أن تتلاشى في ضباب الحراك العالمي الذابل.
في العموم، لم يتشكل في العالم العربي فهماً تاريخياً لشبكات توزيع الأفلام ودوائر المهرجانات بصورةٍ تامة. على نحوٍ شبيه، فتواريخ برمجة الأفلام، حتى في دور العرض التجارية، يندر وجودها. لطالما انصب تركيز الكثير من الأبحاث على إنتاج الأفلام من ناحية الاهتمام بجماليات الفيلم والمخرجين أو النجوم، لكن عمل المبرمجين والعارضين، أولئك المحركات الصامتة خلف التجربة السينمائية، قلما فُهِم. في هذا السياق يبدو أن الدورة الثانية من مهرجان الفيلم الأفرو-آسيوي، المهرجان السينمائي الدولي الأول الذي تشهده القاهرة، قد سقطت كذلك على هوامش الذاكرة الثقافية والتاريخية، حتى في ظل ازدهار البحث في الإنتاج السينمائي في الستينات، لا يكاد يأتي ذكر المهرجان. في أثناء الاجتماع، جادل أحمد رفعت، أحد المتحدثين، بأن المهرجان لم يغطى صحفياً بصورة جادة، وشارك مقتطفات من عدم اهتمام وسائل الإعلام بالمهرجان في تلك الآونة بحيث بدت أكثر افتتاناً باستضافة المطرب فريد الأطرش لحفلات ما بعد فعاليات المهرجان أكثر من الغرض من وراء المهرجان ذاته.
قد تفسر أسباب عدة عدم بروز المهرجان بصورة كافية في الشهادات المتعلقة بالسينما في مصر خلال الستينات. فقد تحدثت الروايات المعاصرة للمهرجان، مثل الخبر المنشور في جريدة "الأهرام"، عن "برودة" سيطرت على الفعالية: "مرت أيام المهرجان دون أن يلحظ أحد أن هناك مهرجان أو يشعر بذلك من الأساس" (10 مارس 1960، 6). لربما كان اختيار الأيام الأولى من شهر رمضان موعداً لإقامة المهرجان عاملاً في الحد من الحضور، غير أنه بدا من البداية وكأن هناك إحجاماً عن دعم الفعالية من قبل أساطين الصناعة. حتى أن النجوم الذين استُعين بهم "لتحية الضيوف بباقات من الزهور، فعلوا ذلك دون أدنى حماس، كأنهم يؤدون واجباً على مضض" (10 مارس 1960، 6). في سياق عملها حول المهرجان، تواصلت كلارا قصيفي مع ممثلة ظهرت في التغطية الصحفية للمهرجان، لكن الممثلة لم تستطع حتى أن تتذكر حضورها للفعالية.
إن هذا الافتقار إلى الحماس يبدو أنه كان ذا جذور بنيوية أوسع قد تكون مرتبطة بانفصال قائم بين الأطراف الفاعلة في صناعة السينما والدوافع الأيديولوجية المعلنة للمؤتمر. فتكشف لنا جريدة الأهرام أنه عندما وجهت دعوة إلى المنتجين المصريين لتقديم أفلامهم للمهرجان، لم يستجب أحد (29 فبراير 1960، 6). وعند إطلاق نداء ثانٍ، لم يتقدم للمشاركة سوى ثلاثة أفلام فقط. وبينما أُعلن في البداية عن مشاركة فيلم دعاء الكروان لهنري بركات، والذي كان قد طُرح تجارياً قبل أكثر من ستة أشهر من المهرجان، باعتباره الممثل المصري في المهرجان، سرعان ما اتضح أنه لن يُدرج في الفعالية لأنه اختير ليمثل مصر في سباق جوائز الأوسكار. على ذلك، بدا أن فيلم قيس وليلى للممثلة ماجدة، الذي عُرض لأول مرة قبل ستة أسابيع من انطلاق المهرجان وفشل فشلاً ذريعاً في شباك التذاكر، هو الخيار النهائي.
سحر مندور باحثة وصحافية وروائية لبنانية-مصرية. درست علم النفس في جامعة القديس يوسف (بيروت)، وحصلت على ماجستير في الدراسات الصحافية من جامعة لندن (المملكة المتحدة). عملت في جريدة السفير (بيروت) من سبتمبر/أيلول 1998 حتى يناير/كانون الثاني 2017. ونشرت أربع روايات بين العامين 2007 و2012. منذ العام 2017، هي الباحثة المختصة بالشأن اللبناني في منظمة العفو الدولية.
Sahar Mandour is a Lebanese-Egyptian researcher, journalist, and novelist. She is currently the Lebanon and Jordan researcher at Amnesty International. She studied psychology at the Universite Saint Joseph (Beirut-Lebanon) and holds an MA in Media Studies, with a focus on gender, from the University of London (UK). Sahar worked as an editor at Assafir newspaper (Beirut) from September 1998 till January 2017. She also published 4 novels between 2007 and 2012.