نور عويضة
بالاشتراك مع كلّ من: ريّا بدران، وعمر برادة، ومحمّد هُوجْلا-كَلْفَت، ورنا عيسى، وأراز كوجايان، ولينا منذر، وسونيلا موباي، وحسين ناصرالدين
في النصّ الذي قدّمت به برنامج «تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام»، وهو برنامج سينمائي حول ترجمة الأفلام ونصوص الشاشة في السينما أعددته في بيروت في آذار/مارس ٢٠٢٥، أُعرّف تجربة ارتيادي للسينما في لبنان بأنّها احتكاكي الأوّل بالترجمة وأوّل ما شكّل علاقتي بها، حيث إن الأفلام التي كانت تُعرض في دور السينما المحلّية آنذاك كان لا بدّ أن تُصحب بترجمتين. فأغلب الأفلام التي شاهدتها على الشاشة الكبيرة في تلك المرحلة العمرية كانت أفلاماً تجارية ناطقة بالإنجليزية مترجمة إلى العربية الفصحى والفرنسية كما جرت العادة. ولأنّني كنت أتعلّم تلك اللغات الثلاث في المدرسة، نشأ عندي دافع قوي إلى ”تتبّع الخيارات المتّخذة في الترجمة، والتأكّد من أنّها سليمة وصائبة، وبأنّها لم تخدعني“.2 كان تركيزي في تبدّل مستمرّ بين الاستماع والقراءة والترجمة، مُلاحِظةً ما تعجز عنه الترجمة، وما تكشفه، وما يستحيل عليها، وهكذا تحوّلَت مشاهدتي للأفلام إلى حيّز لتلاقي هذه اللغات وتفاعلها.
واليوم، وبعد مرور عام ونصف على كتابة هذا النص، تحضرني تجربة أخرى أسهمت في تشكيل وعيي بهذه الديناميكيات المتعدّدة اللغات. فحتّى سنّ الخامسة أو السادسة من طفولتي، كنت أتكلّم العربية والفرنسية في الأغلب ولم أكن بعد قادرة على استيعاب الإنجليزية. وحين أراد والداي قول شيء دون أن نعيه أنا وأخي، تحدّثا بالانكليزية. وبرغم قدرتنا على الْتِقاط فتات حديثهما، كان ما استطعنا فهمه بالأساس هو أنّهما كانا يتحدّثان عن شيءٍ لا يعنينا، أو في السيناريو الأسوأ، شيئاً يريدان إخفاءه عنّا. أعتقد أن تقديري لقدرة اللغة والترجمة على الإخفاء والإضمار تَشكَّل جزئياً حول هذه التجربة، حيث أدركت في سن مبكرة جداً أن اللغة مكان يمكن أن تظل الأشياء فيه طي الكتمان حتّى وهي تُلفظ، بل والأهمّ من ذلك كلّه، أنّ اللغة بوسعها خلق مساحتين في آن واحد: مساحة للتواطؤ (بين والديّ)، وأخرى للتآمر (ضدّي وضدّ أخي).
هذه الجدلية بين التواطؤ والتآمر تقع في صميم تأمّلاتي حول الترجمة في السينما، فهي تستوعب حركتيْ الالتفاف والفقد معاً، وهما الحركتان اللتان ينطوي عليهما فعل الترجمة. ففي إطار تطوير الدورة الثانية من البرنامج ضمن زمالة «ناس» البحثية والبرمجية، لتنعقد في المغرب، عدت أتأمّل ما حدث في الدورة الأولى التي أقيمت في بيروت. فخلال الفعالية وفي الأيّام التي تلتها شاركني العديد من المشاركين في البرنامج -من مساهمين وحضور- تجاربهم الشخصية مع اللغة والترجمة، وخاصّةً فيما يتعلّق بالسينما. وأدهشني كيف أنّ الكثير من هذه التجارب جاء في هيئة قصص وحكايات شبيهة بتلك اللتين ذكرتهما هنا، مشتبكة بالأسئلة (النظرية أحياناً) التي طرحها البرنامج من منظور نابع من التجربة اليومية. عندها أدركت أن دعوة الناس للتفكير في ترجمة الأفلام ونصوص الشاشة هي دعوة لتأمّل علاقتهم الشخصية باللغة والترجمة، سواء اتّصلت بالسينما أو غيرها.
تَحوّل تفكيري في البرنامج من أنّه مساحة للتأمّل حول ترجمة الأفلام إلى أنّه مساحة لاستكشاف الديناميكيات اللغوية التي قد توْلَد عبر احتكاكنا بالسينما ولكنّها قد تتجاوزها. وهو ما دفعني إلى التواصل مع العديد من الأفراد من حولي ممّن تتمحور مماراستهم حول اللغة من منظور تخصّصات مختلفة، كالترجمة والكتابة والفنون البصرية، وأن أدعوهم لمشاركتي خطّ البحث والتساؤل هذا. تجمع هذه المساهمة في الملف السادس من سلسلة «ملفّات» شذرات من تجارب ثمانية أشخاص يعيشون في سياقات متعدّدة اللغات يشتركون معي في تجربة العبور اللغوي ذاتها. جميعهم يتحدّث العربية، بعضهم بوصفها لغة أمّ، بالإضافة إلى تحدّثهم أو فهمهم للغات أخرى شكّلت عوالمهم اللغوية. أرسلت إليهم جميعا نفس الأسئلة الثلاثة، وطلبت منهم الإجابة في خواطر قصيرة، إمّا بالعربية أو الإنجليزية أو بمزيج من اللغتين. ثم شاركت الجميع هذه الردود وطلبت منهم التفاعل مع إجابات بعضهم البعض. ينشر هذا المقال الإجابات التي شاركوها والحوار الذي دار حولها، ليقدّم كوكبة من الأشخاص والأفكار التي يمكن تصفّحها عبر مسارات متعدّدة وفقاً للكاتبـ/ة المساهم/ة، أو الخيط الفكري، أو اللغة. يظهر النصّ الأصلي باللون الأسود، والترجمة باللون النبيذي.
ريّا بدران: سأضطر إلى التنقيب في سنوات من الملاحظات المكتوبة بخطّ اليد لأعثر على واحدة من تلك الذكريات، وأنا متأكّدة من وجود العديد من اللواتي تركت بداخلي أثراً، ولو أنّي غير قادرة على استحضار أحدها الآن. كثيراً ما أتحسّر على ذاك الزمن الذي كنّا نشاهد فيه الأفلام مصاحبة بالترجمتين العربية والفرنسية. ومن المدهش بعض الشيء أن يكون النص والترجمة في صلب التجربة السينمائية من تلك السنّ المبكرة. ربّما كانت هذه التجربة ما صاغ حبّي للسينما والترجمة ونصوص الشاشة في العموم.
-
س.م: يذكّرني ذلك بعادة (مندثرة) في شارات الأفلام الهندية، حيث كان عنوان الفيلم بالهندية يُعرض دائماً بجانب ترجمته الصوتية بالأحرف الإنجليزية والأردية (الفارسية-العربية). أتذكّر كيف أخبرني أحدهم أثناء زيارة لي للقاهرة عن حبّه لفيلم «الشعلة»، لأدرك أنه لا يقصد سوى فيلم الأكشن والإثارة الشهير من سبعينات القرن الماضي «شعلے».3 ومن تلك اللحظة نشأت في ذهني صلة لغوية بين لغة المهد (الأصلية) واللغة المتبنّاة (المكتسبة) مازالت قائمة إلى اليوم.
-
ع.ب: يستدعى ذلك إلى ذهني عمل فيديو للفنانة الجزائرية كاتيا كميلي بعنوان «The Storyteller» (الحكواتي) من إنتاج عام ٢٠١٢. صُوِّر العمل في مراكش، ويتتبّع شخصية عبد الرحيم الأزلية، حلايقي (من حكواتية الحلقة) مشهور في ساحة جامع الفنا. يبدأ الأزلية بسرد حكاية عن الصداقة والأمل والإقصاء المجتمعي بالدارجة المغربية، فتبدو الحكاية للوهلة الأولى شعبية محلّية بالكامل قبل أن يقطع الفيديو فجأة إلى مشهد من الفيلم البوليوودي الكلاسيكي «دوستي» (١٩٦٤) للمخرج ساتين بوز، مستأنفاً الحكاية من النقطة التي توقّف عندها الأزلية. يواصل العمل تنقّله ذهاباً وإياباً بين الفيلم والراوي، وسرعان ما نكتشف أن الأزلية كان معروفاً بمواظبته على ارتياد أحد دور السينما القريبة من ساحة جامع الفنا، والتي كانت في الغالب تعرض أفلام بوليوود، وما أن ينتهي من مشاهدة فيلم حتى يخرج إلى الساحة ليعيد سرد الحكاية بالدارجة وفقاً للبنية السردية للحلقة التقليدية لجمهوره الذي قد لا يملك ثمن تذكرة الدخول إلى السينما.
عمر برادة: سأشارك حكاية لم أعشها بشكل مباشر. اعتُبر فيلم «يطّو» (١٩٣٤) الذي صوّره في المغرب المخرجان الفرنسيان جان بينوا-ليفي وماري إبستين أول فيلم ناطق بالأمازيغية. وبعد عقود، وبينما كان المخرج والكاتب المغربي أحمد بوعناني يعاين بكرات الفيلم على طاولة المونتاج في المركز السينمائي الوطني، أدرك أن بعض الحوار ”الأمازيغي“ لم يكن سوى حوار بالفرنسية تم تشغيله بالاتّجاه المعاكس. فالاستراتيجية الاستعمارية في الاحتفاء باللغات المحلية عبر الأفلام لم تكن في الحقيقة سوى شكل آخر من أشكال الازدراء.
-
م.ه.ك: هذه الحالة مثيرة للغضب. وربّما ما يجعلني أتفاعل معها بهذا القدر هو أنّها تذكّرني بكيفية استخدام لغتي النوبية (نوبين/الفاديجكية) في الأفلام القديمة بالأبيض والأسود التي أخرجها مصريون غير نوبيين، فقد استُخدمت بغرض الإضحاك فحسب، دون أيّ ترجمة وكأنّها لم تكن لغة على الإطلاق. بل إن النوبيين كان يطلق عليهم اسم ”البرابرة“ تماماً كما كان الأمازيغ يُسمّون ”البربر“، وكلا الاسمين مشتقّ من الكلمة اليونانية ”bárbaros“، والتي آل بها الأمر لتعني ”الهمج“. وهذا الأصل يبوح بجذور أشكال العنف اللغوي نفسها التي كانت تعمل في السينما الفرنسية أو المصرية، حيث يتبدّى تواطؤ وتوازي أفعال الاستعمار الغربي والقومية المصرية/العربية.
محمّد هُوجْلا-كَلْفَت: بعد أن تعلّمت الإنجليزية وأصبحت أفهمها بما يكفي، بدأت ألاحظ أنّ الترجمة المصحوبة بالأفلام الناطقة بالانجليزية بمصر غالباً لم تطابق الحوار، وتخضع للرقابة. ممّا شكّل لديّ وعياً حاسماً بازدواج واقع المشاهدين، إذ تَقسم الترجمة المرقَّبة المشاهدين في البلد الواحد إلى قسمين: من سيفهم الكلام غير المرقَّب ببذاءاته وهرطقاته ومحرّماته، دون الحاجة إلى ترجمة، ومن سيفهم ما يحدث أو يقال عن طريق ترجمة غير أمينة عمداً. هذا الازدواج، المرتبط باللغة كشكل من أشكال الوصاية والعنف الخفيّ، التقطه بحساسية مشهد في فيلم «ناب الكلب» للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس (٢٠٠٩). وهو يروي قصّة أطفال يربّيهما الأب والأمّ في عزل تامّ عن المجتمع، يستمرّ مع بلوغهم سنّ الرشد. وفي المشهد المعني، يُشغّل الأب للأطفال الكبار أغنية لـ”جدّهم“ («Fly Me to the Moon» [طيري بي إلى القمر]، بصوت فرانك سيناترا)، و”يترجِم“: ”بابا بيحبّنا. ماما بتحبّنا. إحنا بنحبّهم؟ أيوة بنحبّهم. أنا بَحبّ إخواتي. عشان هم كمان بيحبّونا…“. ويتابع الأطفالُ الكبارُ بتركيز وتأثّر، وبعد أن تنتهي ”الترجمة“ يبتسمون ببهجة ويرقصون على الأغنية.
رنا عيسى: أفكّر أحياناً بأفلام جان لوك غودارد من منظار الترجمة، «هنا وهناك» (١٩٧٦) و«موسيقانا» (٢٠٠٤) خصوصاً. في هذين الفيلمين يعطينا غودارد مادّة بصرية للتفكير في إشكالية الترجمة. العدسة تترجم واقعين يختلفان عن بعضهما بكثافة العنف، واقعَين متعلّقين ببعضهما، مهتمَّين ببعضهما، أحدهما (فلسطيني) يعرف الآخر عن كثب لكونه واقعاً تشكّل من عنف الآخر على أرضه، وآخر (أوروبّي) جاهل، غير عابئ. يأتي المترجم/المخرج لكي يفرض سردية أخرى، قد لا يكون لها مكان في الواقع الأوروبّي. يترجمها، أي ينقلها، فيفتح إمكانية المخاطبة وتبادل الكلام والمساءلة.
أراز كوجايان: خلال التسعينيات، بدأت قنوات التلفزيون اللبنانية في عرض المسلسلات المكسيكية مدبلجة بالعربية الفصحى. كنت أشاهد شفاه الممثّلين تتحرّك بشكل غير متزامن مع الكلمات التي كنت أسمعها، وهي نفس العربية التي كنت أتلقّاها بالمدرسة لكنني لم أستخدمها أبداً في حياتي اليومية. أتذكّر أنّي أردت ذات مرّة أن أخبر جاري بأنها تمطر، فقلت ”عم ينزل مطر“ بدلاً من العبارة العامية ”عم بتشتّي“. كطفلة متحدّثة الأرمنية في المنزل، أعتقد أن الفخر بفهم اللغة الفصحى وفي اكتساب مفردات جديدة كان جزءاً مهمّاً من متعة المشاهدة.
-
ع.ب: هل سمعتِ عن عمل الفيديو لعمر مسمار بعنوان «لوسيا منديز والسلام في لبنان» (٢٠١٨)؟ لوسيا منديز هي الممثّلة المكسيكية التي لعبتْ دور البطولة في مسلسل «أنت ولا أحد»،4 وهو أوّل مسلسل مكسيكي يُبثّ في لبنان عام ١٩٩٢. اتّصل بها مسمار بعد ٢٥ عاماً ليقول لها إنّها، ربّما دون علمها، كانت سبباً في السلام في لبنان، حيث إنّ جميع الفصائل المشتبكة بالصراع الداخلي كانت ملتصقة بشاشات التلفزيون لمشاهدتها حتّى لم يعودوا إلى القتال فيما بينهم. في الفيديو، يوجّه مسمار منديز لتقرأ أمام الكاميرا بنود اتّفاق الطائف باللغة العربية كنوع من الخطاب الموجّه إلى الشعب اللبناني. كما ينصّ ملخّص الفيلم، فإنّ العمل ”يتخيّل صلة بين اتّفاق الطائف كنوع من الدبلجة للحرب الأهلية، وبين لوسيا منديز باعتبارها تمثيلاً وامتداداً لـ”تطئيف“ الإنتاج الثقافي في مرحلة ما بعد الحرب“. ومن المفارقات أنّ معظم من شاهدوا العمل لم يسبق لهم سماع صوت منديز الحقيقي، إذ أنّ ما يعرفونه هو صوت مؤدّية الدبلجة العربية الفصحى.
-
-
س.م: ألم يبدأ الناس بالإشارة إلى العربية الفصحى بـ”المكسيكي“ في وقت ما؟
لينا منذر: لطالما كرهتُ الدبلجة، ولا يزال يدهشني أن يختار أحد بمحض إرادته مشاهدة فيلم مدبلج بدلاً من مشاهدته مترجماً. أرى الدبلجة كترجمة ثلاثية الأبعاد، بينما تبدو الترجمة الحوارية ثنائية الأبعاد. ولا أقصد بذلك أن الترجمة الحوارية أقلّ شأناً، بل على العكس، فهي النمط الأمثل لترجمة الأفلام في رأيي، لأنّها تحافظ على اختيارات الأداء التمثيلي كما أرادها مخرج العمل وتسمح للمشاهد بالتركيز بشكل أكبر على الحوار ومقاصده.
سونيلا موباي: أحد سبل تحسين سرعة قراءتي للعربية كانت مشاهدة أفلام هوليوود على قناة إم بي سي وغيرها من القنوات الفضائية (المملوكة لدول الخليج) بينما أتابع الترجمة الحوارية بالفصحى. وكما تشير نور في كتيّبها،5 كانت الاعتبارات الدينية والمجتمعية التي حكمت السوق المستهدَفة تملي -على سبيل المثال- أن يترجَم سؤال ”?Did you f**k her“ (هل نـ**ـتها؟) إلى الصيغة الأكثر تهذيباً ”هل أقمت علاقة معها؟“. لكن الأكثر غرابة كان ذلك السجل الخطابي الذي تفرضه الفصحى، فتتحوّل عبارة “F**k you” (روح انـ**ـاك) إلى ”تبّاً لك“ بما تحمله من وقع أقرب إلى لغة كتاب مقدّسة، أو أن يترجَم سؤال ”?What's up/wrong, man“ (ما بك يا رجل؟) إلى ”ما الخطب يا صاح؟“. لطالما أثار ضحكي (سرّاً أو جهاراً!) ذلك التنافر بين طبيعة الحوار الأصلية واللغة التي تصاغ بها ترجمته، وحوّل مشاهدة الأفلام الأمريكية التي قد تكون نمطية ومملّة إلى تجربة أكثر طرافة وتسلية.
حسين ناصر الدين: أذكر لحظة اكتشافنا لموقع يمكن عبره تحميل ترجمة للأفلام التي كنا نشتريها أو نقرصنها في فترة المراهقة. لم نكن نتحدّث الإنجليزية، وكان من الصعب علينا فهم الأفلام الناطقة بلغات غير العربية من خلال الترجمات المتاحة فقط باللغة الإنجليزية أو الفرنسية. فصرنا نعاود مشاهدة أفلام كنا قد شاهدناها قبلاً دون أن نفهم الحوارات. في أحيان، كانت الأفلام كما تخيّلناها أجمل ممّا كانت عليه بعد أن فهمنا الترجمة.
ريّا بدران: صادفت عبارة في أغنية رومنسية6 للملحّن وكاتب الأغاني السوداني مصطفى سيد أحمد. ليست عبارة يصعب ترجمتها على نحو استثنائي، ولكنها ما زالت تشغلني: ”عارفني منّك“. تعلم أنّني لك. تعلم أنّني أنتمي إليك. تعلم أنّني جزء منك؟
عمر برادة: يمكنني قول ”طرب“، أو ”قهر“، أو ”حُگرة“، أو ”تكبير“. لكن بدلاً من البحث عن مرادفات، وهو من المحال، أفضّل التركيز على الفضاء اللغوي والمفاهيمي الغني الذي تفتحه الفجوة بين الكلمة وترجمتها (المستحيلة). ذات مرّة، حرّرَت باربرا كاسان قاموساً فلسفياً للكلمات غير القابلة للترجمة،7 وكانت فرضيته الأساسية أن الكلمة غير القابلة للترجمة ليست كلمة لا يمكن ترجمتها، بل كلمة لا يتوقّف المرء أبداً عن (عدم) ترجمتها.
محمد هُوجْلا-كَلْفَت: في كتاب جون برجر «طرق الرؤية»، القائم على برنامج تليفزيوني، نقاش يبني على أفكار كينيث كلارك ويشرّح النظر كفعل سياسي يغيّر شيئاً عميقاً فينا نحو أجسادنا وأجساد الآخرين، حيث إنّنا عند نقطة من التحليل نصبح مستعدّين لإدراك الفرق بين التعرِّي (nakedness) والعُري (nudity)، كما تُرجم المصطلحان في الطبعة العربيّة.8 ما مدى قدرة الكلمتين -الإنجليزيتين أم العربيتين- وحدهما على إيصال هذا المعنى، هذا الفارق؟ صعوبة الترجمة هنا ليست (فقط) بين لغة وأخرى وإنّما بين الفكرة واللغة مرّة، وبين اللغة ومتحدّثيها مرّة أخرى. لكي تمارس اللغة عملها، هناك عمل آخر كثير مطلوب، منه عمل الحياة نفسه.
رنا عيسى: أعمل حالياً على ترجمة كتاب فريد موتن وستيفانو هارني9 إلى العربية، كجزء من مجموعة مترجمين من المغرب ومصر، وأنا من لبنان وفلسطين. أحياناً كثيرة، عندما نقوم بالترجمة نضطرّ إلى أن نتوسّع خارج المرادفات المتعارف عليها لننحت أو نعيد ترتيب المعنى في مفردة معيّنة. الدارجة وعاميّاتنا المختلفة أسعفتنا في مواقف كثيرة. مثلاً ما زلنا نشكّك بترجمتنا لمصطلح “maroon” في الكتاب. المفهوم يحمل إرث تاريخي مرتبط بالعبودية ويستعمل للكلام عن العبيد الهاربين من أسيادهم إلى الجبال حيث أسّسوا لأنفسهم مجتمع صغير خارج عن القانون. أي مرادف في العربية نستعمل؟ من الكلمات التي اخترناها للمسودّة الأولى مفهوم ”المطاريد“، وهي كلمة أتت بها زميلتنا المصرية من العاميّة المصرية، بدورها مفهوم له تاريخ خاص. المطاريد هم جماعات من ”الخارجين عن القانون“ في مصر يعيشون في الجبال، غالباً في الجزء الجنوبي من مصر ”الصعيد“، سُمّوا سابقاً ”الفلاتية“. بدأت حركة المطاريد في العهود المملوكية، وكانت مجتمعاتهم تتكوّن من أفراد رافضين للسلطة الرسمية، سواء ارتكبوا أعمال إجرامية تجاه عموم الناس أم تجاه السلطة. هل لنا أن نساوي حركة المطاريد بحركة الـ“maroon” أم هل نكتب الكلمة بالأحرف العربية فتصبح ”مارون“، وهي كلمة قد يُساء فهمها عند القارئة المشرقية فتعتقد خطئاً أنّنا نعني الموارنة في جبل لبنان؟ أحدنا اقترح مفردة ”آبق“، فهي تعني العبد الهارب. قد تكون كلمة ”آبق“ أفضل من هارب لترجمة “fugitive”، وهو مصطلح أساسي آخر في النص. لكن كلمة ”آبق“ لا تحمل السيرورة التاريخية لاستعباد الأفارقة من قبل الأوروبّيين التي نحاول قدر المستطاع أن نحافظ عليها في ترجمتنا لكلمة “maroon”.
أراز كوجايان: استغرقت وقتاً طويلاً لفهم عبارة ”ما بتِكمَل بلا ما تِكمَل“، ناهيك عن ترجمتها إلى الإنجليزية والأرمنية. كانت تلك العبارة أيضاً عنوان مقطع فيديو قصير أنتجته مع إحدى صديقاتي بمشاركة شابّات من مختلف أنحاء لبنان، يمثّلن طوائف دينية متعدّدة، قمنا بجمعهن في إطار مبادرة للحوار بين الأديان حول دور المرأة في كلّ من تقاليدهن الدينية. واجه أصدقائي الناطقون باللغة العربية صعوبة في شرح تلك العبارة لي، خاصّةً عند محاولة ترجمتها إلى الإنجليزية والأرمنية. حين أنظر إلى الأمر اليوم، يبدو المعنى بسيطاً: لا يكتمل أي مجتمع دون مشاركة النساء.
لينا منذر: لا تحضرني كلمة أو عبارة بعينها، ولكن طالما وجدت صعوبة في ترجمة علاقات القرابة العائلية من العربية للإنجليزية. فالدلالة التي تحملها مناداة الأمّ لطفلها بعبارة ”يا ماما“ أو الأب بـ”يا بابا“، سواء كانت لحظة حنان أو تبرّم، تختزن طريقة كاملة وأسلوباً خاصّا جداً في التعبير عن العلاقات الأُسرية العربية، يكاد يستحيل نقله إلى الإنجليزية.
سونيلا موباي: أتعلّم اللغة النرويجية بشكل مكثّف منذ أكثر من عام، وأحاول الآن أن أخوض تجربة الترجمة الفورية. منطق اللغة هاي بيختلف كتير عن العربي اللي عنده منطق اشتقاق الكلمات من الجذور الثلاثية أو الرباعية وتنوّع بالفروقات الدقيقة تبعه. المحيّر هو إذا بدّي مثلاً أترجم كلمة «تحوَّل» أو «أُحيل»، الكلمة المطابقة بالنرويجي بتختلف تماماً من سياق لآخر، بين مثلاً تحوَّل الشخص من كذا إلى كذا، وبين حوّلوا المريض من قسم الطوارئ إلى قسم العمليات، وبين إذا كانت الحادثة نقطة تَحوّل في تاريخ البلاد. وأنا عم أحفظ كلمات من مجال الحقوق مرق عليّ كذا مصطلح استصعبت أترجمه للعربي أو حتّى للإنكليزي، مثلاً كلمة ”rettssikkerhet“ (حرفياً ”الأمان القانوني“) اللي هو مفهوم بيدلّ عإنّه نحنا عايشين بدولة قانون بيضمن لكل واحد-ة منّا حقوقنا أمام القضاء، ومن أنّها تُنتهك حتّى من قِبل الدولة اللي بتطبّق النظام. كل هيدا لأقول إنّي انتبهت قدّيش كل منظومة بيروقراطية عندها مصطلحات تستعصي على الاستيعاب وبالتالي على الترجمة السهلة لأنّها لا توجد في نُظم أخرى. خدوا ”إخراج القيد“ مثلاً ببلاد الشام، ما في إله مقابل بأميركا أو بريطانيا!
حسين ناصر الدين:” العُمر“. أستخدم هذه الكلمة كثيراً في نصوصي وعروضي الأدائية، ومن الصعب ترجمتها، رغم سهولتها، لأنّها ترتبط بعلاقة مع الزمن ونظرة نحو الحياة والموت خاصّة بالمناطق والمجتمعات التي تفكّر وتحكي وتعيش باللغة العربية، غير موجودة في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية.
-
س.م: موجودة بالفارسي والأوردو كمان (ويمكن بلغات تانية تأثّر معجمها بمرور العربية عليها). مثلاً حُكم السجن المؤبّد بالهند إسمه (الرسمي) ”عُمرقَيْد“.
-
- ر.ب: مثل ”العُمر إلك“.
ريّا بدران: لقد أثّرت مقالة دون مي تشوي «Translation is a Mode=Translation is an Anti-neocolonial Mode» (الترجمة أسلوب = الترجمة أسلوب مناهض للاستعمار الجديد، ٢٠٢٠) في نفسي تأثيراً عميقاً ودائماً، رغم أنّني وجدت صعوبة في اختيار اقتباس منها. وعلى صعيد آخر أكثر خفّة، كثيراً ما أعود إلى نص للكاتبة والمترجمة لينا منذر، والتي أكنّ لها إعجاباً كبيراً، وعنوانه «Trash Talk: On Translating Garbage» (كلام زبالة: عن ترجمة القمامة).10 هذا مقتطف منه:
-
أما المتعة التي يمكن استقاؤها من ترجمة الزبالة، ففيها، كما يليق بها، شيء من الابتذال. كنت أحتسي القهوة مع أحد الأصدقاء ذات يوم، وأحاول أن أصف له شعور أن تمارس عملا تؤمن به وتحبّه من حيث المبدأ، لكنّك كثيراً ما تعجز عن حبّه في لحظة ممارسته. أن تنشأ بينك وبين نص لا تكنّ له سوى الاحتقار ألفة، ثم يتسلّل إلى وعيك فتظلّ شذرات منه تومض في ذهنك طوال اليوم، حتّى بعد أن تكون تركته وراءك.
-
-
فقال: ”مثل الجنس المشحون بالكراهية؟“
-
فقلت: ”تماماً مثله!“
-
م.ه.ك:أعطاني هذا النصّ قدراً كبيراً من العزاء حين صدر، ولا يزال وقعه كذلك حتى اليوم، خاصّة تلك الأوقات التي تدفعني فيها مهمّة ترجمة نصّ أكاديمي من الإنجليزية إلى الرغبة في قتل نفسي. أعني… إلى أيّ حد أصبحت الإنجليزية لغة ذات كفاءة ميكانيكية، وكم هو عنيف ذاك الإكراه على صبّ تلك الميكانيكية إلى العربية بطريقة ترضي جميع الأطراف! أن يكون النصّ المترجم مفهوماً، سلساً وطبيعياً، ومتسّقاً مع المصطلحات العربية المتداولة، وفي الوقت ذاته بشعاً وحرفياً بالقدر الكافي ليبدو مألوفاً لمن اعتاد قراءة الترجمات الرديئة…
عمر برادة: منذ سنوات عديدة قرأت بنهم كتابات المترجم ومنظّر الترجمة الفرنسي أنطوان بيرمان، وباتت عبارة من كتاب «محنة الأجنبي»11 ترافقني. ترد العبارة في منتصف إحدى الفقرات، وكأنها جاءت على سبيل الاستطراد، بها يصف بيرمان الترجمة بأنها ”فعل واعٍ يقوم بإزاحة خلّاقة لمركزية الذات “. تظل هذه العبارة، بالنسبة لي، واحدة من أكثر التعبيرات اختزالا وقدرة على وصف جوهر الترجمة. فكل كلمة فيها أساسية: فعل، واعٍ، خلّاق، وإزاحة عن المركز.
محمد هُوجْلا-كَلْفَت: ”الشِّعر هو ما يُفقَد في الترجمة“ مقولة منسوبة لروبرت فروست، أسرَتني زمناً وسرَّبت إليَّ شعوراً غريباً، ربّما راحة اليأس والتسليم. مع الوقت أدركت مشاكلها، إضافة إلى جهلنا في أيّ سياق وبأي معنى قيلت،12 إذ أنّها تمثّل، بمعناها المباشر، حكمة زائفة ومتعالية عن استحالة الترجمة وعن أن الشعر بمعناه الواسع ليس عالمياً، وصحيحة فقط بالمعكوس: الشعر هو ما ينجو في الترجمة. فإنّ ما يُفقد في الترجمة الحسّاسة والجادّة للشعر -بكلّ معانيه، أي بما في ذلك الشعر الذي في النثر وكل أشكال الكلام- ليس الشعر نفسه وإنما عناصر خاصّة باللغة أو الثقافة المنقول عنها، موسيقى ما، لطائف لفظية، وهكذا.
رنا عيسى: تعاون ألكسندر بالانسكو وآدا ميليا في إنتاج ألبوم بعنوان «The Island» (الجزيرة، ٢٠١١)، وهو ألبوم أوبرا مصغّرة كُتبت وغُنِّيت بالإنجليزية، يستند إلى مسرحية13 رومانية مقتبسة بدورها من الرواية الإنجليزية الشهيرة «روبنسون كروزو».14 لطالما فكّرت في تلك الرواية لما تركَته من أثر نموذجي في التفكير حول الترجمة في سياقات الثقافات المستعمَرة. قام بترجمتها إلى العربية بطرس البستاني.15 في العمل الذي أنتجه بالانسكو وميليا، وتحديداً في أغنية «Friday» (جمعة)، يقوم العبد بسرقة أسماء الأشياء من سيّده، روبنسون. لازمتني المفارقة في هذه الأغنية وعبثية بعض أفعال الترجمة وما تنطوي عليه من تفاوت في موازين القوى، وأذكرها كلّما أردت تدريس مخاطر الترجمة: أيّ مشكلات يمكن أن تخلقها الترجمة بين ثقافتين؟ وفي المقابل، أتذكّر ما قاله لنا فريد موتن عندما التقينا به لمناقشة ترجمة العمل، حين وصف الترجمة بأنها ”نَفَس“. بالنسبة لموتن، أن تترجم نصا هو أن تبثّ فيه الحياة، بل أن النصّ لا يحيا إلّا عبر ترجمته. وهذه الفكرة، أي الترجمة بوصفها نَفَساً، هي ما تُشكّل ممارستي الخاصة والمشاريع التي أختار أن أترجمها.
أراز كوجايان: في هذا المقتطَف من مونولوجه الأوّل «Yevyalen»(٢٠٠٠)16 ، يروي فاهي بربريان بروح الدعابة كيف اعتاد الأرمن في منطقة برج حمّود ترجمة عناوين الأفلام من الإنجليزية إلى الأرمنية ترجمة حرفية، مثل “Horrents Duneh” ترجمةً لـ«House of Horror» أو “Hood Yeghparnere” ترجمةً لـ«The Brotherhood». ثمّ يتخيّل المتنصتين في مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) وهم في حيرة من أمرهم أمام مسنّين من الأرمن وهم يتحدّثون الإنجليزية لكنّهم يفكّرون بالأرمنية، فينتجون تعبيرات من قبيل "المكان الذي مات فيه القرد" للدلالة على مكان بعيد جداً، أو "دعني آكل كبدك يا أخي" للتعبير عن الودّ.
لينا منذر: لعبَت أفكار لورنس فينوتي حول الاستئناس والتغريب في الترجمة دوراً كبيراً في تغيير فهمي لها. يعرّف فينوتي الاستئناس بأنه ”اختزال متمحور حول الإثنية للنص الأجنبي ليناسب قيم الثقافة التي يُنقل إليه“، ويرى أنّ الترجمة تنطوي بالضرورة على درجة من العنف، وأن هذا العنف ”يكمن في غاية الترجمة وممارستها ذاتها، أي في إعادة تشكيل النص الأجنبي وفقاً للقيم والمعتقدات والتمثّلات الموجودة سلفاً في اللغة المستقبِلة“. وبينما كنت في السابق أكثر انشغالاً بأن يبدو النص وكأنّه كُتب أصلاً باللغة التي أترجم إليها، أصبحت اليوم أميل إلى التفكير في الترجمة بوصفها نقلاً يشبه اقتلاع نبتة من تربتها الأصلية، ثم محاولة توفير كل ما تحتاجه كي تعيش في تربة جديدة، غريبة عنها.
-
ع.ب: أعجبتني كثيراً لمستك الإضافية للفكرة، بما تنطوي عليه من واجب الرعاية الملازم لفعل نقل النبتة (محاولة توفير كلّ ما تحتاجه كي تعيش)، وهي رعاية لا تخضع لقواعد مسبَقة، بل ينبغي إعادة ابتكارها في كلّ مرة، فلكلّ نصّ احتياجاته الخاصّة كي يعيش، وليس للترجمة وصفة جاهزة. تتناغم هذه الفكرة مع اقتباس من ١٩١٧ لرودولف بانفيتس، يستشهد به فالتر بنيامين في مقاله «مهمّة المترجم»:
-
-
إنّ ترجماتنا، حتّى أفضلها، تنطلق من فرضية خاطئة. فهي تسعى إلى تحويل الهندية أو اليونانية أو الإنجليزية إلى الألمانية، بدلاً من أن تجعل الألمانية تتحوّل إلى الهندية واليونانية والإنجليزية. يوقر مترجمونا أعراف لغتهم أكثر ممّا يوقرون روح الأعمال الأجنبية (التي يقومون على ترجمتها). [...] فالخطأ الجوهري الذي يقع فيه المترجم هو أن يحافظ على الحال الذي آلت إليه لغته، بدلاً من أن يسمح لها بأن تتأثّر باللغة الأجنبية بعمق.17
-
-
ر.ع: أعجبني هذا المصطلح يا لينا، يجعلني أفكّر في همفري ديفيز وعمله على غرس الكتب العربية في تربة العالَم الناطق بالإنجليزية. أظنّ أنّه كان ليجد فيه وصفاً دقيقاً لممارسته.
سونيلا موباي: ثمّة قصائد عديدة للشاعر العراقي الآشوري الراحل سركون بولص أشعر أنني أعيش في كنفها. إحداها بعنوان «تعويذة للعائش في الطوفان» (١٩٩٦) صارت، بطريقة ما تُعرّف وجودي الهش في هذا العالم عبر اللغة. وهناك قصيدة أخرى أحبّها كثيراً هي «اللاجئ يحكي» (٢٠٠٧)، وأنصح بالاستماع إلى تسجيل القصيدة بصوته، حيث يقول في نهايتها:
-
يحكي ويحكي ويحكي
-
لأنّه وصل، لكنّه لم يذُق طعم الوصول
-
ولا يحسّ بالنار عندما تحرق أصابعَه السيجارة
كثيراً ما عدتُ لهذه القصيدة حين ألتقي يسوريين وفلسطينيين هنا في أوسلو، أو في برلين، أو في نيويورك، وقبلها في بيروت، وفي منتصف الحديث معهم أتساءل في خاطري: بعد كلّ ما مر به كثير منهم، ممّا ينبغي تجاهله كي نستطيع الجلوس معاً في هذه اللحظة شديدة الاعتيادية، أيشعرون بالسيجارة وهي تحرق أصابعهم (أو الكحول وهو يحرق حناجرهم)؟
حسين ناصر الدين:
-
ب. وذلك فيما ذكرناه عن الدخول في زمن الشعر، وفيه تنقلب الاستعارة أي تتّضح، وبذلك تنتفي الحاجة إليها كما ذكرنا آنفاً، أي أنّ الداخل زمن الشعر يبصر الأشياء قبل أن تُشبَّه، أي قبل الاستعارة حتّى، فأن نقول أنّ عبد الله دخل زمن الشعر ورأى النخيل فهو قولنا أنّ الأعمدة في صورتها التي سبقت الاستعارة هي النخيل، وإنّها في زمن العامّة صورتها الأعمدة وهي تتوق للاستعارة وذلك لكي تظهر صورتها التي هي عليها في زمن الشعر. أي أنهّا في أصلها نخيل، وأنّ عبد الله القتيل رآها فقط، أي رأى صورتها في زمن الشعر.
-
صانعة ومُبَرمِجة أفلام. من خلال عملها في البحث والكتابة وصناعة الأفلام وبرمجتها، تستكشفُ العلاقات المتعدّدة بين الصّوت والصورة والنَّص. بين عامَي 2018 و2023، عملت عويضة مع جمعيّة «متروبوليس سينما» في بيروت، حيث قامت بتطوير مشروع «سينماتيك بيروت». وهي عضو في هيئة تحرير المجلّة السينمائيّة الرقميّة «Hors Champ» (مونتريال، كندا)، وفي «مجموعة في الكاميليا» الفنية. كما أنها تدرّس برمجة الأفلام في بيروت، لبنان.
- أستحضر هنا قول إدوار غليسّان: ”[...] علينا أن ننظر إلى التعددية اللغوية بوصفها بُعداً شعرياً من أبعاد وجودنا، لا مجرّد واقع قائم على كون الإنسان متعدّد الألسن، متحدّثاً بعدّة لغات. ثمّ إنّ شاعرية اللغة قد لا يستشعر بها ذاك المترجم الفوري الذي يعرف سبع لغات أو ثمانياً، ففي الحنين إلى لغة لا نألفها، إن صادف ذلك، من الشعرية أكثر ممّا في الممارسة اللغة ذاتها. ذاك هو الفرق بين التعددية اللغوية وتعدّد الألسنة“. – إدوار غليسّان، في «Introduction à une poétique du divers» (مقدّمة لشعرية التعدّد) (١٩٩٥).
- إقتباس من النص التنسيقي للبرنامج، يمكن الاطّلاع عليه هنا.
- من إخراج رامش سيبي (١٩٧٥).
- «Tú ou nadie»، عُرض المسلسل لأول مرة على شاشات التلفزيون المكسيكي في ١٩٨٥.
- النصّ التنسيقي الخاص بالدورة الأولى من برنامج «تواطؤ وتآمر في ترجمة الأفلام» لنور عويضة، والمشار إليه في المقدّمة.
- صدرت لأوّل مرة في الفترة بين ١٩٨٣-١٩٨٥ تقريبا.
- باربرا كاسين، «Vocabulaire européen des philosophies. Dictionnaire des intraduisibles» (مفردات أوروبّية في الفلسفة: قاموس من المستعصيات على الترجمة)، ٢٠٠٤.
-
”يمكننا الآن البدء بمعرفة الفرق بين التعرّي والعري في التقليد الأوروبّي. يعتمد كينس كلارك في كتابه عن ’العُري‘ أن كونك متعريّا يعني ببساطة أن تكون من دون ملابس بينما يشكّل العُري نوعاً فنيّاً، وهو ليس منطلق اللوحة بالنسبة إليه، بل العريّ طريقة الرؤية التي أُنجزت بها اللوحة، وهذا صحيح إلى حد ما -رغم أنّ طريقة رؤية ’لوحة عارية‘ ليست بالضرورة مقتصرة على الفنّ، هناك أيضاً: صور عارية، وضعيات عارية، إيماءات عارية، وللحقيقة فإن العري دائما ما تجري إحاطته بالأعراف -وسلطة أعرافه مستقاة من تقليد فنّي بعينه.“ -جون برجر، «طرق الرؤية»، ١٩٧٢؛ الطبعة العربية ترجمة زياد عبد الله، ٢٠١٨.
- ستيفانو هارني وفريد موتن، «The Undercommons: Fugitive Planning & Black Study»، ٢٠١٣.
- نُشر في مجلّة «The Paris Review»، ٨ يوليو/تموز ٢٠١٩.
- أنطوان بيرمان، «L'Épreuve de l'étranger. Culture et traduction dans l'Allemagne romantique»، «محنة الأجنبي: الثقافة والترجمة في ألمانيا الرومانطيقية»، ١٩٨٤، الطبعة العربية ترجمة صبحي دقوري، ٢٠٢٥.
- لا نجد هذه المقولة سوى في مصادر ثانويّة مرويّة عن أخرين، وبصيَغ متباينة. ربّما كان فروست يحاول تعريف الشعر سلباً وبلغة شعرية، فُقِدَت ربّما، وللمفارقة الساخرة، في الترجمة - أي في النسخة المختزلة المحوًّرة من كلامه.
- غيللو ناوم، «Insula» (الجزيرة)، ١٩٧٩.
- دانيال ديفو، «روبنسون كروزو»، ١٧١٩.
- المفكّر والكاتب النهضوي اللبناني بطرس البستاني (١٨١٩-١٨٨٣).
- يمكن مشاهدة النسخة الكاملة من «Yevyalen» هنا.
- فالتر بنيامين، «مهمّة المترجم»، ١٩٢٣.