زمالة ملفّات «ناس»
أمل عيسى
- جلال توفيق 1
العام الذي اكتشفت فيه أنّ الحرب كانت قد انتهت منذ مدّة هو نفسه العام الذي ذهبت فيه إلى السينما لأوّل مرّة. اصطحبني أبي مع العائلة بالسيارة إلى بيروت الشرقية، التي أصبح الوصول إليها متاحاً من جديد (للمرّة الأولى)، وحيث عادت دور السينما من جديد (للمرة الأولى)، إلى عرض الأفلام نفسها التي كانت تُعرض في دور السينما حول العالم. أمّا سينمات بيروت الغربية، فلم تتعاف بنفس الطريقة على الرغم من محاولات متقطّعة لإحيائها لا تزال مستمرّة حتّى يومنا هذا. فتلك التي بقيَت مفتوحة منها أثناء الحرب كان يرتادها الرجال حصراً، وكانت تَعرض في الغالب أفلاماً أميركية ومصرية من الدرجة الثانية عفا عليها الزمن، إلى جانب الأفلام الإباحية، إلى أن أغلقَت أبوابها نهائياً بعد بضع سنوات. كان يمكن أن يكون إعادة فتح دور العرض في جزء واحد من البلاد استعراضاً وطنياً أُقيم خصّيصاً لأجلي أنا، دليلاً على انتهاء الحرب بالفعل، وإشارة إلى أنّ الوقت قد حان لأجد لنفسي تطلّعات حقيقية. لكن سينمات بيروت الغربية تمسّكت بقذارتها، مستعدّةً لاحتضان ظلّ شكّي كشاهد ودود.
تحت رعاية عالم عربي زاخر بالأحداث والحسابات المعلّقة، يجمع هذا الملف السادس من «ملفّات» مساهمات الزملاء الأربعة المشاركين في زمالة «ناس» البحثية والبرمجية ٢٠٢٥-٢٠٢٦، وهُم محمّد هُوجْلا-كَلْفَت، وعمر إذثنين، وآمال مويرسون، ونور عويضة. يسلّط هذا العدد الضوء على بعض المسارات البحثية التي طوّروها خلال فترة زمالتهم، بالتوازي مع برامج وعروض أُطلقت العام الماضي وتتواصل على امتداد عام ٢٠٢٦. تجمع المساهمات الأربعة حكايات ولقاءات ومشاريع واستحقاقات ذات طبيعة غير محسومة، تنبثق من تجربة للسينما بوصفها مساحة للمساءلة الجماعية والإرجاء.
حين صادف الغزاة العرب في القرن السابع اللغة الأمازيغية الأصلية في بلاد المغرب، أطلقوا عليها إسم ”البربرية“ وعلى أهلها إسم ”البربر“، أي الأجانب. في عام ٢٠١١، وفي مسعاه لاحتواء عدوى الربيع العربي التي بدأت تجتاح المغرب، أجرى الملك محمّد السادس استفتاءً وطنياً أُقرّت بموجبه مجموعة من الإصلاحات الدستورية التاريخية، من بينها الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية و«تراثاً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء». بعد خمسة عشر عاماً، يتوقّف عمر إذثنين عند هذا الادّعاء، متّخذاً من أوّل فيلم أمازيغي في المغرب، من إنتاج عام ١٩٩٠، دراسة حالة في سينما أُبقيت عالقة في دوّامات متواصلة من الإهمال والتهميش من جانب الدولة والمؤسّسات، بدءاً من الإنتاج، ومروراً بالتوزيع والتداول، ووصولاً إلى الحفظ والأرشفة؛ وهو وضع ينطوي على خيانة لتراث جميع المغاربة، بل لتراث المغرب نفسه.
تتتبّع آمال مويرسون المشهد السينمائي الشتاتي في بروكسل خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث تلاقت مجموعتان متمايزتان من المهاجرين: طلّاب سينما كُلّفوا ببناء سينما وطنية تتماشى مع أجندات بلدانهم التي نالت استقلالها حديثاً، وعمّال استُقدموا للمساهمة في بناء اقتصاد بلجيكي جديد. وترسم مويرسون خريطة هذا المشهد باعتباره حركة تكافلية من الشاشة وإليها، طارحةً الأفلام كمستودعات لسردية حيّة، ذات مداخل متعدّدة وبلا نهاية. وتظلّ هذه السردية تتكشّف عبر سلسلة من عمليّات النقل والتداول، تضيف فصولاً جديدة مع كل عرض جديد، ومع كلّ فضاء أو ممارسة أو حدث.
تدعو نور عويضة ثمانية مساهمين ضيوف، يترجمون من العربية و/أو إليها، للتأمّل في تجاربهم مع التواطؤ والتآمر: أفلام كانت أكثر إثارة للاهتمام قبل أن تصل ترجماتها، وصوراً لواقع تترجم واقعاً آخر، وحالة طفولية يُطيل أمدها خبث الترجمة، وأساليب خطابية تتسلّل إلى محادثات عادية، ومتنصتّون على مكالمات هاتفية تحيّرهم استعارات تُرجمت حرفياً، وحرف جرّ ملتبس في أغنية حبّ، وكلمات تُقتلع من تربتها لتُغرس في أرض غريبة، وغيرها ممّا لا يكفّ المرء عن (عدم) ترجمته.
يقتفي محمّد هُوْجلا-كَلْفَت أثر أطياف الشيوعية الذي ظلّ يخيم على السينما المصرية منذ بداياتها، متتبّعاً مساره من أوّل فيلم روائي فُقد أثَره وصولاً إلى أفلام وثائقية معاصرة تحاول أن تتعامل مع هذا الإرث المكبوت، الذي تواطأت عليه أجندات -ليبرالية ودينية واستعمارية وقومية- قد تبدو متعارضة في ظاهرها. وكما يليق بالأشباح، كثيراً ما اتّخذت هذه الأطياف الشيوعية شكلاً سلبياً، فتجلّت تارة في هيئة إنكار، وتارة أخرى في حذفِ لافت حصل أثناء عملية الاقتباس من الصفحة إلى الشاشة. وأحياناً كانت تظهر في شارات الأفلام، أو في كلام مشفّر، أو في أداء ممثّل لمشهد يستحضر ما مرّ به في المعتقل.
في هذه الأيّام، ونحن نتخبّط من حدث إلى آخر قبل أن يتاح لما سبقه أن يفقد راهنيّته، نخاطر بألّا نعرف من أين نبدأ عملنا في استحقاق هذا العالم -إذا ما أصغينا إلى كلمات جلال توفيق- أو، والأسوأ من ذلك، بألّا نكتشف أبداً ما يهمّنا حقّاً فيه. من خلال ما تجمعه صفحات هذا الملفّ من مقاربات وتجارب، آمل أن يجد القارئ المعنيّ بالعالم العربي أو بالعالم الناطق بالعربية ولو خيطاً واحداً يدلّه على سبب اكتراثه بهذا المكان من الأساس.
أمل عيسى عملت كقيّمة فنية ومحرّرة ومترجمة ومبرمجة ثقافية مع أشكال ألوان، وإي-فلاكس، وبينالي الشارقة، وكلّية الفنون بجامعة كولومبيا، وغيرها. درست الرسم والأدب في بيروت، وتسكن في بروكلين، نيويورك.
- جلال توفيق، «Undeserving Lebanon» (ألّا تسعى إلى استحقاقِ لبنانَ غيرِ الجديرِ)، إصدار «Forthcoming Books» (كتب قيد الصدور)، ٢٠٠٧.