علي حسين العدوي
ضمن إطار فعاليات اللقاء، جرى تقسيمنا إلى مجموعات، وضمت مجموعتنا الأسماء المذكورة والمبيّنة أدناه في صفحة المانفيستو. وباعتبارنا مجموعة من الأصدقاء الذين تجمعهم غواية السينما والعمل في الأفلام والثقافة السينمائية، قررنا أن نطلق على مجموعتنا اسم «صحبة السينما» أو Kinship، باقتراح مبدع من الصديق الراحل يوكي إديتيا، صانع الأفلام والسينيفيلي وعضو الفريق القائم على منتدى «لينتِنغ». جاء الاسم بوصفه مزجًا بين كلمتي Kino (السينما) وKinship (القرابة أو صلة الرحم). كما قررنا أن نكتب مانفيستو بلغة نفهمها جميعًا، وهي الإنجليزية، وأن نصنع منه مطبوعة صغيرة، وهو ما تحقق بالفعل.
هكذا كتبنا المانفيستو وجهّزنا وصنعنا المطبوعة بشكل جماعي. وقد استند هذا العمل، مبدئيًا وأساسًا، إلى تاريخ طويل من التعاونية والجماعية والممارسات التشاركية في إندونيسيا، وهو تاريخ يتجلى بوضوح منذ عام 1998. فالتاريخ الفعلي للفن المعاصر والثقافة غير الرسمية في الفن والسينما في إندونيسيا هو، في جوهره، تاريخ الجماعات الفنية والتعاونيات السينمائية والثقافية التشاركية. يظهر هذا بوضوح، على نطاق واسع، في مشروع طويل الأمد مثل «دوكيومنتا 15» وفي ممارسة منتدى «لينتِنغ»، وعلى نحو متناهي الصغر في تجربة كتابة هذا المانفيستو وصناعة مطبوعة منه، كما فعلنا.
يقوم مفهوم وممارسة الجماعية هنا لا على جماعية ليبرالية تصويتية تتمحور حول أدائية التنافس، باعتبارها حرية وتنوعًا، حيث تُستطلع الآراء ويُصوَّت على الرغبات والمقترحات المختلفة للأفراد في كل تفاصيل العمل، ثم يُنفَّذ رأي الأغلبية مع ترك مساحة دائمة للآخرين للتعبير عن انطباعاتهم. على العكس من ذلك تمامًا، تبدأ الجماعية هنا بنقاش يطمح إلى اتفاق جماعي، لا إلى تمثيل الأغلبية. وسواء طال الزمن أم قصر، لا بد من الوصول إلى هذا الاتفاق.
بعد ذلك، يبدأ عمل ومنهجية تشبه العمل في الحقل: جني المحصول، وتجميعه، وتخزينه. عمل يقوم على التكامل والتعاون بين أنشطة وممارسات جزئية متنوعة ومختلفة، بطريقة مرئية وتشاركية للجميع، تتجاوز تقسيم العمل التقليدي، وتصنع من حاصل جمع هذه الممارسات المنتجَ الكامل المرجو إنجازه. هذا المفهوم كنت أؤمن به نظريًا قبل هذا اللقاء، لكنني في إندونيسيا، ومع مجموعة «صحبة السينما»، عشتُه وعايشتُه ومارستُه، وأنتجتُ من خلاله، مما شكّل درسًا ملهمًا ونقطة تحول مهمة في ممارستي النظرية والعملية والقيّمية لاحقًا.
من هنا، تناقشنا جماعيًا وتوصلنا إلى طرح ودعوة «السينيفيليا الاجتماعية»، بوصفها اشتباكًا وتعقيدًا، نظريًا وعمليًا، مع العالم والسياق الاجتماعي، لا انسحابًا أو هروبًا منه، كما تفعل السينيفيليا التقليدية المهيمنة حتى الآن، والتي نطرح «السينيفيليا الاجتماعية» قطيعةً معها على مستوى الممارسة والمعرفة التاريخية.
بعد ذلك، توزعت الأدوار بيننا وفقًا لاختلاف الخبرات: فمنّا من قام بالصياغة، ومنّا من تمتلك خطًا جميلًا فقامت بنسخ المسودات، ومنّا من جهّز الورق للطباعة، ومنّا من صمّم المطبوعة الصغيرة، ومنّا من قام بطباعة المانفيستو في نسخ محدودة، جاهزة للتوزيع والتداول بين المشاركات والمشاركين مع نهاية اللقاء.
عدتُ إلى الإسكندرية، وبعدها بيوم واحد جاء «طوفان الأقصى» بوصفه حركة عصيان فارقة وقطيعة سياسية ومعرفية، تلاها صمود مديد لأهلنا في غزة، ثم في الجنوب اللبناني، في مواجهة آلة الحرب الإبادية الإسرائيلية. سقط بشار الأسد، وجاء الجولاني في سوريا، ودُمّرت السودان وهُجّر أهلها في حرب أهلية استعمارية، وانقلب العالم من حولنا في المنطقة العربية.
بعد شهور عديدة، عدتُ إلى المانفيستو، وفكرتُ أنه ربما لا يزال محاولة ذات معنى في التفكير في السينيفيليا والتعاطي مع كل هذا. عرضتُه على الصديق العزيز، والصاحب في غواية السينما، المترجم والكاتب والقيّم السينمائي محمد هُوجْلا-كلفت، طالبًا رأيه، وعلى أمل أن يمنحنا، إن أعجبه، بعضًا من وقته وجهده في ترجمته. تحمّس كلفت للترجمة فورًا، ولم يتأخر علينا أبدًا، وله مني ومن مجموعة «صحبة السينما» جزيل الشكر والتقدير والامتنان.
هكذا أنجز كلفت مسودة أولى من ترجمة المانفيستو إلى العربية. ومنذ أيام قليلة، وبعد الرحيل المفاجئ والفاجع للصديق يوكي إديتيا، عضو مجموعة «صحبة السينما»، فكرتُ أنه بات من الضروري نشر المانفيستو في نسختيه الإنجليزية والعربية معًا. طلبتُ من كلفت إعداد مسودة الترجمة للنشر، فقام بإجراء تعديلات على المسودة الأولى، واقترح تعديلات تحريرية على النص الإنجليزي الأصلي. ناقشنا هذه التعديلات، وبناءً عليها أعدتُ صياغة بعض نقاط المانفيستو بشكل أدق، مع الحفاظ الكامل على المعنى، ثم قام كلفت بتقفيل الترجمة، لتصبح جاهزة للنشر.
هذه هي قصة مانفيستو «السينيفيليا الاجتماعية» في نسختيه الإنجليزية والعربية، من وجهة نظري.
في الختام، أتمنى أن تنال دعوة «السينيفيليا الاجتماعية» نصيبًا من الاهتمام والقراءة والمناقشة، والاتفاق والاختلاف، والإبداع في الأفكار والممارسات، وأن يتنفسها غواة السينما في آنحاء وأزمنة لا نعلم عنها شيئًا.
علي حسين العدوي
الإسكندرية، 2 فبراير 2026
علي حسين العدوي : قيّم فني لمشروعات سينمائية وبحثية في مجال الفن، وناقد وباحث يتقاطع عمله مع السينما، والصور المتحركة، والممارسات الفنية المعاصرة العمرانية، والنظرية النقدية العالمية، وتاريخ الثقافة الحديثة والمعاصرة. تشمل مشروعاته القيّمية برنامج الأفلام المستمر «صور العمل» (منذ 2019)، و*«سيرج دانيه: تحية واستعادة»* (2017)، و*«هارون فاروكي: جدل الصور… صور تكشف/تحجب صورًا أخرى»* (2018).
كما شارك في العمل القيّمي لعدد من المعارض والبرامج العامة، من بينها، بالاشتراك مع بول كاتا، معرض «فن التوهان في المدن: برشلونة والإسكندرية» (2017)، والحلقة الدراسية «بنيامين والمدينة» (2015). وإلى جانب عمله القيّمي، نشط ككاتب ومحرر، إذ شارك في تأسيس مجلة Tripod الإلكترونية (2015–2017)، المتخصصة في نقد السينما والصور المتحركة، كما كان عضوًا في هيئة تحرير منصة ومطبوعة TarAlbahr الإلكترونية (2015–2018)، المعنية بالممارسات العمرانية والفنية في مدينة الإسكندرية.
يحمل درجة الماجستير في تقاطعات حقوق الإنسان والفن المعاصر من كلية بارد في نيويورك، ويواصل عمله في التدريس والكتابة والتحرير، إلى جانب تطوير مشروعات قيّمية تنخرط نقديًا مع سياسات الصور وشعرياتها.