محمّد هُوجْلا-كَلْفَت
٭
٭
٭
في معتقَل الواحات، أنجز أحد أولئك الشيوعيين، محمّد خليل قاسم، إنجازاً ضخماً ليس فقط بالنسبة إلينا نحن بني جلدته النوبيين بل أيضاً في الأدب المصري ككلّ، وهو رواية «الشمندورة» (١٩٦٨). لكن انتماءه السياسي يكاد أن يكون غير مرئي في ذاكرة النوبيين الجماعية، مقابل انتمائه العرقي والإثني، منذ أن تحلّقوا حول أجهزة الراديو في ١٩٦٩ ليستمعوا جماعات إلى حلقات المسلسل الإذاعي المأخوذ عن الرواية وبالاسم نفسه، الذي بُثّ بعد وفاة المؤلّف في العام السابق متأثّراً بتدهور حالته الصحية في سنوات الاعتقال. أصبح المسلسل، بأغنية المقدِّمة النوبية الشهيرة التي لها العنوان نفسه، تعويضاً رمزيّاً للنوبيّين وطريقة لصياغة سردية وطنية ترعاها الدولة وتدمجهم في النسيج الوطني، من خلال الإشادة الضمنية بتضحيتهم الكبرى بموطنهم التاريخي من أجل السدّ العالي. ولعلّ المسلسل مثَّل أيضاً لرفاق قاسم من معتقَلي الأمس القريب نوعاً من المصالحة ورَدِّ الاعتبار، حتى ولو من دون ذِكر لهويّة المؤلِّف الأخرى، غير المكتسبة بالميلاد. استمع النوبيون وبقية المواطنين إلى نسخة معالَجة تناسب إذاعة «صوت العرب» من رواية ضخمة مؤلَّفة على نموذج المثال الأدبي المعتمَد في الأوساط النقدية الشيوعية حول قاسم في منتصف الخمسينيات، ألا وهو الواقعية الاشتراكية.
تَكرَّس هذا المثال في كِتاب شهير صدر في ١٩٥٥، «في الثقافة المصرية»، للمؤلِّفَيْن الماركسيَّيْن عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالِم، انتصرا فيه لرواية «الأرض» (١٩٥٤) لعبد الرحمن الشرقاوي باعتبارها نموذجاً مثاليّاً للرواية الثورية وللروائي التقدّمي. ودارت حول الكِتاب معركة فكرية وأدبية كبرى، ولم يواجَه بتحدٍّ جدّي من داخل الماركسيين أنفسهم إلّا بعد مرور بضع سنوات أثناء وجود المؤلّفَين في معتقَل الواحات. ونجد مشترَكاً كثيراً بين روايتيْ الشرقاوي وقاسم، منه أنّ كلتيهما تدور أحداثها في مطلع الثلاثينيات حول حدث محوري يخصّ تنظيم الدولة للريّ. لكن ما دفع قاسم إلى كتابة «الشمندورة» في المعتقَل، بعد نشر الشرقاوي روايته ببضع سنوات، كان إلحاحاً خاصّاً ودقيقاً زمنيّاً. فجنباً إلى جنب مع جهود إنقاذ النوبة من حيث الآثار والتراث المادّي وغير المادّي، حاول قاسم من محبسه إنقاذ النوبة -الآيلة للغرق في سبيل مشروع تنموي كبير يؤيده في المبدأ- عن طريق تخييل تجربة تهجير جزئي في عهد سابق.
على صفحات «الشمندورة»، يَصدم القارئ النوبي ظهور مفاجئ للخَدَم النوبيين مناقض لظهورهم المتكرّر على شاشة السينما المصرية كشخصيات صامتة تقريباً، مرتدين زيّ الخدمة المنزلية أو الفندقية أو جلباباً لم يغيّروه في القاهرة، معلنين عن قدوم ضيف أو مكالمة لـ«ستّي» أو «سِيدي»، أو يقودون سيّارتهما إلى مكان ما، أو حاملين الهاتف أو الحقائب، أو ساعين بين المطبخ والسفرة، أو يفتحون باباً، إلخ. ففي «الشمندورة» نرى النوبة نفسها، التي قذفت بخَدَم العاصمة أولئك، وهي على وشك القذف بنوبيين جُدد ولكن إلى مصير مجهول، يشمل أيضاً نزوحاً إلى المدينة الكبرى. ونجد خَدَم العاصمة يُذكَرون إذْ يؤدّون دوراً اجتماعيّاً وسياسيّاً مختلفاً، في بيوت سادة من نوع آخر أيضاً لم نره بَعد على الشاشة: ’موظّفي الريّ من الإنجليز والمصريين، و... الباشَوات والحكّام و... [رجال] القصور الملكيّة‘. على هؤلاء السادة تجسَّسَ أولئك الخَدَم الطيّبون، السذج، المطيعون، المضحكون -وفق تنميطهم- ونَقلوا إلى نوبيين آخرين، لم نرهم أبداً على الشاشة، ما علِموا به بشأن المشروع المزمع، ليمارس هؤلاء دورهم من أجل مجتمعهم النوبي من موقعهم: كتّاب شكاوى وصحافيين نوبيّين في جرائد ومجلّات العاصمة، يمكنهم عرض القضية على الرأي العام ومناشدة أصحاب القرار سرّاً وعلانية.
هناك مفاجأة أخرى ذات صلة يدخرها تاريخ الشيوعية المصرية. فكما كان أولئك الخدم يسعون بين السادة وبين المثقّفين النوبيين، كانوا يسعون كذلك بين نفس السادة وبين التنظيمات الشيوعية التي ضمّتهم وأولئك المثقّفين النوبيين ومصريين ومتمصّرين متنوّعي الطبقات والخلفيات، بعضهم من أبناء السادة. أفلا يحقّ لنا أن نتخيّل خادماً نوبياً يصبح في حياته التنظيميّة الموازية رفيقاً أو رئيساً لسيّده؟
٭ ٭
٭
هذه القصّة، وغيرها الكثير، تخفيها وتطمسها السينما المصرية طمساً جائراً وتمحوها محواً. فحتّى عندما تتوفّر مادّة غنية عن صراعات وتناقضات وتغيّرات المجتمع المصري، كتلك التي تقدّمها أصول أدبية أو قصص حقيقية أو مصادر تاريخية، يتكفّل القائمون على الأفلام المقتبَسة عنها بتجاهلها، أو تخليصها من تعقيدها وتبسيطها تبسيطاً مخلّاً، أي تسطيحها على نحو قد يكتسي من الخارج برداء مِهني بريء، وهو تقليد في كتابة السيناريو كان قد أُرسي في ظلّ نظام الأستوديوات في هوليود لمخاطبة المتلقّي/المستهلك العادي المتخيَّل. لكن معاينة الحالة المصرية في سياقها الخاص من شأنها أن تكشف لنا عن عمليّات أقلّ براءة تتعلّق بالطرُق التي تعالَج بها القضايا الاجتماعية الشائكة في البلد أثناء وبعد الاستعمار المباشِر والنظام الملكي.
ولأنّ شبح الشيوعية كان يخيِّم فوق مصر من قبل أن تظهر فيها الشيوعية، إذْ أجّجت جماهير ثورة ١٩١٩ مخاوف الاستعمار والنخب والمؤسّسة الدينية، بعد أقلّ من عامين على ثورة أكتوبر الروسية، فقد مدّ هذا الشبح ظلّه لعقود طويلة، إلى قرب نهاية القرن، فوق الإنتاج الثقافي المصري بدوره. وبالرغم من هذا التاريخ الطويل والعنيف لمكافحة ورُهاب الشيوعية في مصر، بل وبسببه، تطلّ برأسها على الشاشة وعلى نحو خاطف، أو تتوارى في مواضع مدهشة من فضاء السينما، لمحاتٌ مِن ما قُمِع ومَن قُمعوا. فكثير من الأفلام المصرية الروائية الطويلة، ومن اللحظات على خطّها الزمني، ومن نقاط الالتقاء والتقاطع في عمليات إنتاجها وتلقّيها وإعادة إنتاجها وهكذا، هي مواقع مسكونة بأشباح سأطلق عليها اسم ’أشباح الشيوعية‘. ومرجع هذا أحياناً أنواع من الهجنة والالتباس والتَّشاوُب، الناتجة عن التفاوضات والتنازلات، أو التهريبات، وتعقيدات إضافية يتضافر فيها الواعي باللاواعي، وتناقضات اللحظات الخاصّة بإنتاج وعَرض الفيلم، وإرادات متشابكة، لا تبدأ بإرادة صانع الفيلم ولا تنتهي باشتباك النقاد. ما الذي يَلْزَمنا لرصد هذه المواقع، لتحضير هذه الأشباح، لتتبُّع أَثَر الشيوعية والشيوعيين، على نحو يهتمّ بحضوره وخفائه في آنٍ معاً، ويسلّط الضوء على المحذوف والمطموس والمموَّه من سيرتهم وصوتهم في الأفلام وورائها وحولها، وعلى المكبوت السياسي؟ إلى جانب تنويعة من النهوج المباشرة وغير المباشرة، فإنّ تاريخ القمع الشديد والطويل يغرينا بضرورة مجاراة المَكارْثية المصرية لنرى بأعينها ما ومن تراه شيوعيّاً، ولكن بروح مضادّة للتفتيش والمصادرة.
أين تلك الأشباح في فيلم سابق على ١٩٦٧ مثل «الجبل» (خليل شوقي، ١٩٦٥)؟ في الفيلم، تستعاد مواجهة بين المركز والهامش، القاهرة والصعيد، من أواخر ’العهد البائد‘، وترتسم فيها الخطوط المألوفة لجهود التحديث والتنوير والوطنية أمام المعوقات المحلية المتمثّلة في مجتمع قديم، تقليدي، يقاوم الدولة الحديثة والتغيير. تعيد الحبكة تخييل تجربة المعماري حسن فتحي، الذي استعانت به الحكومة برعاية الأسرة الملَكية لنقل سكان منطقة أثرية في الأقصر. وفي الفيلم، يراد نقلهم من ’الكهوف‘ حرفياً إلى ’البنايات‘ الحديثة المستلهَمة من التراث؛ في المعنى العام: ليعاد تنظيم القرية المصرية لتصبح أكثر نظافة ونظامًا وحداثة؛ ومن حيث الغرض المباشر: لإبعاد هؤلاء عن سكنى الجبل حيث يعيشون على نهب الآثار أو للدقة على وعود اكتشاف كنوز المقابر المصرية القديمة. لكن الفساد الملَكي المرتبط بالانحلال الأمريكي يقف كعقبة بين المهندس والأهالي، الذين يكتشفون في النهاية عبثية جهدهم وضرورة التغيير، ولكن فقط بعد مقتل المهندس، حلقة الوصل. أُنتج الفيلم في السنوات الأولى من حقبة ظهور القطاع العام في السينما المصرية، وكان وجود أصل أدبي قوي واسم روائي ثقيل الوزن من معايير جودة الأفلام المنشودة.
وهذا الأصل، رواية فتحي غانم بالعنوان نفسه (١٩٥٨)، هو تحديداً الذي يتمّ التمثيل بجثّته -بمشاركة غانم نفسه- من أجل رواية سينمائية تخدم النظام الذي ورث استمرارية عبء تمدين المجتمع المصري بعد أن أزاح العقبة الملَكية/الاستعمارية. ففي الرواية تشريح بالغ التفصيل والثراء، يُفقَدان عمداً في السيناريو والحوار، يبدأ من أنّ الراوي/الشخصية الرئيسية هناك هو فتحي غانم نفسه، محقِّقاً في إدارة التحقيقات بوزارة المعارف، يأتي من القاهرة، وبدلًا من الاكتفاء بالإجراء الروتيني المطلوب بخصوص شكوى مقدَّمة من الأهالي، يصل في مرحلة من رحلة تحقيقه المعقّد الشائك إلى نقد المشروع نفسه الذي لم يراعِ الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية لسكّان الجبل بعد نقلهم إلى القرية النموذجية. ويتردّد المحقّق فزعاً في استكمال هذا الطريق إذْ يتخيّل مشهداً يهدّده فيه رئيسه: سيُتّهم بأنه شيوعي (وهذا الحضور للشيوعية، عن طريق نفيها من ناحية وحضور الهلع الأمني والبيروقراطي -والأهلي- نحوها من ناحية أخرى، سيظهر في الأفلام بقوة في النصف الثاني من الثمانينيات). عوضاً عن سردية معقّدة، عن الاستعمار والصراع الطبقي ومركزية الدولة وتحوّلات المجتمع الزراعي المتناقضة، ننتهي في الفيلم إلى أمثولة أخلاقية وطنية، مفتوحة (كالعادة) على نهاية تستشرف العهد الثوري، المخلِّص القادم باعتبار المفهوم ضمناً وما سيكون. هذا شبح الأصل الأدبي الذي يؤرق النسخة السينمائية المشوَّهة، التي تناظر التقرير البيروقراطي الذي تهاجمه وتجرّمه الرواية وتعمل ضدّه من أوّل إلى آخر صفحة.
وأين هي تلك الأشباح في فيلم جاء في أعقاب الهزيمة هو «الأرض» (يوسف شاهين، ١٩٦٩)؟ إنها أشباح شتّى، من الأصل الأدبي سابق الذكر بما يخيّم عليه وعلى مؤلّفه من ظلال شيوعية كثيفة، مرورًا بأسماء الممثلين وطاقم العمل التي يَبرز فيها أكثر من شيوعي سبق أن اعتقله النظام (مثل عبد الرحمن الخميسي وحسن فؤاد). لكن الشبح المؤرق حقّاً هنا يسعى في خلفية تتابعَيْن من المشاهد. في التتابع الأول يخلع دياب (علي الشريف، في أوّل أدواره، بعد أن كانت تجربة أدائه الأولى على مسرح المعتقَل) نعلَيْه المنهِكَيْن ليخبَّ على الأرض الحامية حافياً في رِكاب أخيه المتعلّم الممتطي الحمارة إلى محطّة القطار. في التتابع الثاني يُساق دياب مربوطاً ومسلسلاً مع مجموعة من الفلّاحين المتمرّدين إلى مركز الشرطة، وهناك نراه معهم يتعرّض للتعذيب، ومنه غَمْر الرأس في الماء القذر. في التتابعَيْن، يداهمنا فجأة -فقط إذا ألممنا بتاريخه القريب- أنّ علي الشريف يمثّل نفسه: يستحيل تصوّر أنّه لا يستدعي في هذه المشاهد خبرته المخزونة قريبة العهد في المعتقَل كما ترويها الشهادات. يتحوّل نضال فلّاح في ثلاثينيات القرن العشرين إلى قناة لتصريف خبرة آلام نضال شيوعي في معتقَلات عبد الناصر عشيّة الهزيمة.
إنها أشباح سِيَرٍ مسكوت عنها، وهوامش غائبة. وعلى خلاف الإسقاط التاريخي البطولي والعروبي في فيلم أبكر لشاهين، «الناصر صلاح الدين» (١٩٦٣)، تتعقّد القراءة هنا. فوَراء التفسير المباشر لما يُفترض أنّه إسقاط لنضال قديم في سبيل الأرض والمياه على المعركة الوطنية الراهنة لاستعادة الأرض المصرية/العربية المحتلّة بعد الهزيمة، مع إشارة ضمنية إلى إنجاز السدّ العالي كذروة التقدّم والعدالة في تاريخ طويل من تنظيم الريّ في مصر، هناك نقد مبطَّن للنظام والمجتمع الراهنين يرفض غضّ البصر عن الصراع الطبقي وقضية الديموقراطية والاكتفاء بالنضال الوطني في اتّحاد زائف.
وبين «الجبل» و«الأرض»، جاء «الحرام» (هنري بركات، ١٩٦٥)، مأثرة أخرى من مآثر السينما المصرية في قطاعها العام عشيّة ”النكسة“، عن رواية يوسف إدريس، المعتقَل الشيوعي السابق الذي، وحتّى صدامه مع السادات، ستحبّه السينما المصرية. نُشرت الرواية، التي أصبحت هي والفيلم من علامات الأدب المصري والسينما المصرية، في ١٩٥٩، بينما كان العالِم وأنيس ينضمّان إلى رفاقهما في المعتقَل، وكانت محاولة بارزة جديدة لمقاربة معاناة الريف المصري عشية يوليو ١٩٥٢. لكن الفيلم يصرّ على أن يؤكدّ في البداية والختام على أن كلّ هذا ينتمي إلى الماضي الذي أنهته الثورة، على الرغم من أنّ القرى التي صُوِّرت فيها الأحداث قرى حقيقية، وبؤس الفلاحين فيها حقيقي ومعاصر. ومرّة أخرى، تتحوّل دراما الصراع الطبقي (مع عنصر محوري عن نضال الفَلَّاحة عزيزة المزدوج) بين عديمي الملكية وصغار الملّاك بالأساس، إلى دراما وطنية، ما قبل التخلّص من المَلَكية والاستعمار و”رفع السوط عن ظهر الفلّاح“. لكن ما ينجو هو التضامن المادّي والطوباوي الذي يتشكّل حول شخصيةْ عزيزة، والغربة التي تنزاح بفضل مأساتها ليتعرّف الفلّاحون على أنفسهم من جديد كطبقة، قادرة على التحالف خارج سياق حرب الفقراء ضد الفقراء، ومستضعَفات ومستضعَفين ضد مستضعَفات ومستضعَفين.
٭
٭
٭
وفي الحقيقة، إذا عدنا إلى الفيلم الروائي الأوّل على الإطلاق، «برسوم يبحث عن وظيفة» (محمّد بيّومي، ١٩٢٣)، سنرصد الحضور الأوّل لهذا الشبح. في ذلك الفيلم الأوّل المذهل، يجوع مصريّان، قبطي ومسلم، في الإسكندرية، وهما يعانيان البطالة وملاحقة الشرطة على نحو يفضح فراغاً كبيراً خلَّفته شعارات ثورة ١٩١٩، التي وثَّق صانع الفيلم بعض لحظات زعمائها في حينه. مبكراً جداً، بل منذ اللحظة الأولى للسينما الروائية المصرية، يتحدّى فيلم بيّومي، وبسخرية بالغة الجرأة، فقر السردية الوطنية، ويصدِّر القضية الاجتماعية عن طريق ما يجب أن نسميه دون تردّد ’سردية شيوعية‘، ولا يخجل من الجمع بين الكوميديا الهزلية وصور الفقر والتدهور والقذارة في المدينة الكوزموبوليتية، قبل عقدين ونصف من لائحة الرقابة لسنة ١٩٤٧ التي ستمنع على السينمائيين صراحة، من بين محرَّمات أخرى، الموضوعات ذات الصبغة الشيوعية وإظهار الفقر في الحارات والقرى. فُقِد الفيلم لعقود طويلة، ولكن بفضل جهد بحثي أرشيفي هائل قام به السينمائي وصانع الأفلام محمّد كامل القليوبي منذ ١٩٧٨ وإلى نهاية حياته في ٢٠١٧، أُعيد تحضير الشبح الأوّل ليستعيد مكانته المفقودة في تاريخ السينما المصرية.
ماذا لو لم يختفِ «برسوم» وذلك الشبح؟ احتجنا إلى «العزيمة» (كمال سليم، ١٩٣٩)، بعد عقد ونصف، ليُخرج مارد الواقعية من قمقمه. ليتسنّى لكامل التلمساني أن يَخرج من خندق السوريالية التروتسكاوية إلى وسيط السينما الجماهيري، مع نهاية حرب عالمية ثانية، بفيلم واقعي اجتماعي أشد تسيُّساً وأعنف قطيعة مع السينما السائدة، «السوق السوداء» (١٩٤٥)، وليأتي واقعيون ذوو تاريخ شيوعي مثل صلاح أبو سيف وأحمد كامل مرسي، صاحب فيلم «العامل» (١٩٤٣)، الذي مُنع من العرض وفُقِد.
في شوارع الإسكندرية البائسة تلك، التي يصحبنا إليها «برسوم» كأنّنا نعاين مسرح جريمة، كانت قد اختُطفت منذ سنوات قلائل، على مدار الحرب العالمية الأولى وثورة ١٩١٩ وحتى العام التالي، النساء اللواتي أُعدمت ريّا وسكينة وأربعة رجال لقتلهن. انفجرت اكتشافات الجرائم لتصبح، في أعقاب الثورة، أوّل قضية رأي عام كبرى في مصر، لتصبح سريعا عاراً وطنيّاً يجب إخفاؤه وتجاوزه لقطع الطريق على استغلال الاستعمار للفضيحة. لم يَظهر الفيلم الروائي الأشهَر عن الأختين السفاحتين إلّا بعد ”ثورة“ أخرى، في ١٩٥٣، على يد ’أبي الواقعية السينمائية المصرية‘ نفسه صلاح أبو سيف، ثمّ احتاج الأمر إلى نصف قرن آخر ليعيد المؤرخ الماركسي صلاح عيسى إلى القصة حقّها، بدءاً من اختيار العنوان، «رجال ريّا وسكينة» (٢٠٠٢)، مرورًا بقصّة انتباهه إلى أرشيف القضية صدفةً وهو يبحث عن ملفّ قضية الحزب الشيوعي المصري الأوّل، ثم اكتشافه أن المحامي، الذي دافع صدفةً عن الأختين ورجالهما، كان محامياً عمّالياً وقيادياً في الحزب، ووصولاً إلى تحليل التغطية الصُحفية والمحاكمة الصورية، وأخيراً معالجات السينما والمسرح للقصّة بما في ذلك اشتراك صلاح أبو سيف في ’الجريمة‘: جريمة تحويل الشر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي إلى موعظة أخلاقية ترفيهية عن الشرّ الشيطاني. إنه شبح ’الجريمة الأصلية‘ الذي طارده صلاح عيسى في تحقيق أبكر، «أفيون وبنادق» (١٩٧٩)، عن مجرم مصري شهير آخر هو خُطّ الصعيد (موضوع فيلم صلاح أبو سيف التالي، «الوحش»، ١٩٥٤).
فالجريمة الأصلية هي جريمة سياسية بامتياز، حيث يتواطأ الاستعمار مع النخب المحلية والدولة والقصر مرّة لصنع المجرمين، ومرّة لتصبح جريمتهم مجرّد جريمة مثيرة، وفرصة للإعلان عن بناء الدولة عن طريق الشرطة، أثناء بناء الأمّة عن طريق الصحيفة والشاشة الكبيرة والصغيرة. لكن تحضير صلاح عيسى للأشباح في «رجال ريّا وسكينة»، بتحقيقه الموسَّع عن وحشية الفقر والحرب الحديثة، يتحوّل في المسلسل المأخوذ عن كِتابه (إخراج جمال عبد الحميد، ٢٠٠٥) إلى حالة أخرى من أبلسة المرأتين والاقتباس التسطيحي والوعظ الأخلاقي الترفيهي، بالرغم من وفرة المدى الزمني للصورة المتحركة في مسلسل من ٣٥ حلقة. وإمعاناً في حالة الإنكار الوطني المستمرّ لتلك الجرائم المُزَلْزِلة، فقد أُعلن في مئوية الثورة والمحاكمة عن فيلم جديد قيل إنّه سيُبنى على وثائق عُثر عليها، تؤكّد أن الأختين كانتا جزءاً من الكفاح المسلّح ضد الإنجليز. التقديس في مواجهة الشيطنة، فيما يلوح وراءهما شبح الحقيقة الاجتماعية المغيَّب.
٭
٭
٭
وأشباح الشيوعية في السينما المصرية تنتشر في كل صوب وعلى كل لون. إنها في البطولة الجماعية ضد البطولة المطلقة، قبل أن تصبح الأولى حيلة جديدة من حِيَل التجارة وبيع الأفلام للمستهلكين. إنّها في كلّ كادر يرينا القرن التاسع عشر وهو يواصل السير في مصر جنباً إلى جنب مع القرن العشرين ولاحقاً الحادي والعشرين مصداقاً لنظرية تروتسكي عن التطور المركب اللامتكافئ. إنها في بحث أروى صالح، مثل برسوم، عن وظيفة، ظانَّةً أنّ السينما قد تكون المجال الأنسب لها كونها ’نشاطاً حيوياً وجماعياً‘.
إنّها في تقنيات مكافحة الشيوعية التي يمارسها الأشرار في «البداية» (صلاح أبو سيف، ١٩٨٦)، و«الهروب من الخانكة» (محمد راضي، ١٩٨٧)، و«صراع الأحفاد» (عبد اللطيف زكي، ١٩٨٩)، و«البيضة والحجر» (علي عبد الخالق، ١٩٩٠).
إنها في اقتباس يوسف شاهين لسيرته الذاتية، «إسكندرية ليه؟» (١٩٧٩)، حيث لا يظهر فقط شيوعي ضمن فسيفساء النضال الوطني والصراع الاجتماعي-السياسي في الأربعينيات، وإنما أيضاً تنعقد صلة صداقة حميمة وحسّية ومراسَلة بين جندي أسترالي -كأنّه خرج من قصائد بْرِخْت- وبين أرستقراطي مصري وطني منخرط في الكفاح المسلّح، في مشاهد تنسف السردية الوطنية نسفاً وتجنح إلى الأممية: يخيّم فجأة وحش كبير أكبر حتّى من الفاشية ومن الاستعمار، إنّه وحش الأبوية والرأسمالية والعسكرية، وتؤذن الرحلة بأخذنا -والفتى يحيى- إلى الحلقة الأمريكية من الحلم/الوهم الرأسمالي.
وفي الحيوات الأخرى لأفلام شاهين تطلّ أشباح جديدة. ففي خاتمة ثلاثية نمير عبد المسيح الوثائقية، «الحياة بعد سهام» (٢٠٢٥)، وباستخدام كولّاج من فيلمَيْ شاهين «فجر يوم جديد» (١٩٦٥)، درّة الواقعية الاشتراكية الناصرية، و«عودة الابن الضال» (١٩٧٦)، يعيد عبد المسيح تخيُّل قصّة أمّه التي كانت تنتظر عريساً من خرّيجي المعتقَل الشيوعيين أولئك. وباستخدام «عودة الابن الضال»، وأفلام روائية أخرى، يسرد وثائقي حديث آخر، «أبو زعبل ٨٩» (بسّام مرتضى، ٢٠٢٤)، قصّة أخرى عن تجربة اعتقال الأب الشيوعي، هذه المرّة في زمن مبارك.
وتعاود الأشباح الظهور في الحيَوات الجديدة للأفلام، كما في وثائقي عمرو بيّومي الأخير الذي أنجزه قبل وفاته، «مجنون أمنيات: وجوه من اليسار المصري» (٢٠٢٥)، حيث يتخلّص فيلم «الكرنك» (علي بدرخان، ١٩٧٥) من سُمْعَته الاستغلالية السيّئة -كنموذج لموجة الانقلاب على تركة عبد الناصر لصالح السادات- عندما يمسك صانع الفيلم والراوي بلحظة مشاهدته الفيلم لأوّل مرّة، في سن الثالثة عشر، كخيط لبداية دهشة التساؤل عَمَّن عساهم يكونون هؤلاء الشبان المشغولون بمصر ويُعذَّبون ويُغتصبون بين الزنازين وغرف التحقيق المصرية، بعد أن دلّ أحدهم زميليه في الجامعة، ودلّ المُشاهد المراهق، على كِتاب «تطور الحركة الوطنية المصرية» (١٩٥٧) لشهدي عطيّة، الشهيد الشيوعي.
من أوّل فيلم روائي إلى أحدث فيلم وثائقي، هناك شبح يؤرق السينما المصرية. إنه شبح الشيوعية.
كاتب وسينمائي ومترجم مصري، وأشياء أخرى، يعمل حاليّاً على مشروع بعنوان «السينما المصرية وأشباح الشيوعية» بزمالة بحثية وقيِّمية مع شبكة الشاشات العربية البديلة (ناس)، وكتاب بعنوان «تغطية العري»، بمنحة كتابة إبداعية ونقدية من الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، ومستقبلاً على فيلم وثائقي طويل، «أتَّكَّا: وقوف على أطلال نوبية»، وترجمة كتاب س.ل.ر. جيمس عن «اليعاقبة السود: توسّان لوڤرتور وثورة سان دومينغو».
- كِتاب محمود الورداني، «حدتو: سيرة ذاتية لمنظّمة شيوعية» (٢٠٠٧)، الذي أعيد إصداره مؤخّراً عن دار المحروسة في ٢٠٢٦، مدخل ممتاز وحافل بالمصادر إلى هذه القصّة وجذورها التاريخية.
- باختصار، يتمثّل التناقض في أنّ الدولة الناشئة كانت بحاجة إلى أفلام جادّة تعبّر عن تطلّعات المجتمع الجديد ومشاكله، ولكن بالقدر نفسه تلبّي الحاجات الدعائية والتجارية، دون أن تضمن إحكام السيطرة على الإنتاج السينمائي سياسياً واقتصادياً. للاطّلاع بتفصيل أكثر على هذا الموضوع، انظر كِتاب تمارا معتوق الذي صدر بالإنجليزية عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة في ٢٠١٩، « Understanding the Public Sector in Egyptian Cinema: A State Venture» (تحليل القطاع العام في السينما المصريّة: مشروع دولة).
- أمّا سماح سليم فتصِف الشرقاوي بأنّه خير مثال للمثقّف الملتزم، وتشرح سياق تجذيره سياسيّاً في مناخ الأربعينيات، بالرغم من إنكاره القاطع أنه كان شيوعيّاً في أيّ وقت، وتعرّضه للاعتقال السياسي أكثر من مرّة بين ١٩٤٦ و١٩٥٦، ثم تذبذُب موقف السلطات نحوه في عهدَيْ عبد الناصر والسادات. (وجدير بالذكر أن الشرقاوي أصبح يصنَّف فيما بعد مفكراً إسلاميّاً.) سماح سليم، «الرواية والخيال الريفي في مصر بين ١٨٨٠-١٩٨٥»، ٢٠٠٤، الطبعة العربية ٢٠١٨، المركز القومي للترجمة.
- انظر مقال غالي شكري الذي يختتمه باعتذار عن نشره ’في ظلّ الظروف الراهنة‘ للمؤلفَيْن، ”الواقعية الاشتراكية في النقد العربي الحديث“، «الآداب»، العدد ١، السنة ٩، كانون الثاني/يناير ١٩٦١.
- خدم القصور الملَكية النوبيون موضوع فيلم قادم تعمل عليه صانعة الأفلام هند بكر.
- على سبيل المثال، كان السكرتير العام لمنظّمة حدتو ميكانيكي طيران، وبالتالي قائدًا تنظيمياً على العسكريين الأعلى رتبة المنتمين إلى التنظيم داخل الجيش، ومنهم عضو مجلس قيادة الثورة خالد محيي الدين، الذي يروي هذه القصّة في مذكّراته وينقلها عنه الورداني في كِتاب «حدتو: سيرة ذاتية» المذكور أعلاه.
- انظر فتوى الشيخ محمّد بخيت المطيعي ضد ‘البلشفية’ العائدة إلى ٢ يوليو/تمّوز ١٩١٩، والتي أسّست لتكفير وشيطنة الشيوعية في مصر والعالم الإسلامي. وسرعان ما ستكون الكلمة المستخدمة في الجدال هي ’الاشتراكية‘، التي هاجمها الشيخ التفتازاني بدوره في ١٩٢١، فهجاه بيرم التونسي من منفاه بقصيدة. وفي هذا السياق نفسه بدأ الدفاع عن الاشتراكية والدعوة إليها يجد تبريراً دينيّاً لها.
- لم يُتّهم بيّومي بالشيوعية رسمياً إلا بعد حوالي ثلاثة عقود في ١٩٥١، وقد نفى ومحاميه التُهمة، إذْ كان فقط عضواً في جماعة أنصار السلام. انظر: محمّد كامل القليوبي، «أوراق محمّد بيّومي: الرائد الأول للسينما المصرية»، أكاديمية الفنون - وحدة الإصدارات السينمائية، ١٩٩٤.
- في بيت القليوبي، حضر الورداني أوّل اجتماع لخليّة شيوعية في حياته عام ١٩٧٠. انظر: محمود الورداني، «الإمساك بالقمر: فصول من سيرة زماننا»، دار الشروق، ٢٠٢١.
- أسمى القليوبي فيلمه الوثائقي الناتج عن عقد من البحث والاكتشاف «محمّد بيّومي: وقائع الزمن الضائع» (١٩٨٩). وقد سمع القليوبي عن بيّومي للمرة الأولى في فترة اعتقاله عام ١٩٧٥، عن طريق سعد الساعي، الذي كان زميل بيّومي في جماعة أنصار السلام، وهو أيضًا مناضل شيوعي قديم ومن معتقلي الواحات السابقين. انظر: القليوبي، «أوراق محمّد بيّومي»، مذكور أعلاه. ولمطالعة قراءة معمّقة لفيلم بيّومي وواقعيته النقدية في سياق تاريخ السينما المصرية ومشروع القليوبي الأرشيفي، انظر: سلمى مبارك، ”هل محمّد بيّومي صاحب أوّل فيلم مصري؟“، «مدينة»، ٥ يوليو/تمّوز، ٢٠٢٢. ولمطالعة تحليل للصورة المغايرة عن وطنية ١٩١٩ في الفيلم، انظر: حكيم عبد النعيم، ”ما هي أول صورة تقفز لذهنك عند رؤيتك الكلمة التالية: ’ثورة ١٩١٩‘؟“، «مدى مصر»، ١٠ مارس/آذار ٢٠١٩.
- فشل «السوق السوداء» تجاريّاً عند عَرضه، وصُدِم التلمساني. وتختلف التفسيرات، بين رأي يقول إنّه حورب من قِبَل أغنياء الحرب نفْسهم الذين فضح الفيلم دورهم المدمِّر الذي فاقم بؤس مواطنيهم، ورأي يذهب إلى نفور الجماهير، الباحثين عن الترفيه والنسيان، من فيلم يعيدهم إلى كآبة سنوات الحرب. انظر: سمير غريب، «السريالية في مصر»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٨. في مرحلة تالية سيشنّ التلمساني نوعاً سينمائيّاً آخر من مناهضة الحرب، إن جاز التعبير، وهي الحرب الثقافية الاستعمارية هذه المرّة، من خلال كتاب ضدّ سينما هوليوود («سفير أمريكا بالألوان الطبيعية»، ١٩٥٧)، بمقدّمة لإبراهيم عبد الحليم، القيادي في حدتو، قبل أن يَنشر في العام التالي كتاباً آخر هو رسالة حبّ إلى تشارلي تشاپلن («عزيزي شارلي»)، بوصفه ترياقاً للسينما الغربية السائدة في مواجهة الظلم الطبقي والفاشية والمَكارْثية.
- «أفيون وبنادق: سيرة سياسية وإجتماعية لخُطّ الصعيد الذي دوّخ ثلاث حكومات»، دار المحروسة، ٢٠٢١.
- هاني درويش، ”أسطورة ريّا وسكينة: خمسة وثمانون عاماً من الصور ﺍﻟﻤﺆبْلَسة“، «ألَِف: مجلّة البلاغة المقارَنة»، العدد ٢٨، الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ٢٠٠٨.
- كان أحد آخر مقالات عيسى المنشورة قُبَيْل وفاته عمود رأي يهزأ بهذه الادّعاءات وبأخذها بجدّية في الإعلام: ”متى تحصل ريّا وسكينة على قلادة بطل ثورة ١٩١٩؟“، «المصري اليوم»، ٨ ديسمبر/كانون الثاني ٢٠١٧.
- كما تقول في رسالة إلى صديق، ملحَقة بكتابها «المُبْتَسَرُون» (١٩٩٧)، عن تجربتها الشيوعية.
- في «الهروب من الخانكة» تتردّد بقوّة قصص دَفْع الشيوعيين المصريين إلى الجنون على يد النظام الناصري، ومنها على سبيل المثال قصة إسماعيل المهدوي، التي يخصّص لها المؤرّخ عبد العظيم رمضان فصلاً كاملاً في «قصة عبد الناصر والشيوعيين»، الهيئة المصرية العامة للكِتاب، ١٩٩٨. والشكر الجزيل للزميلين محمّد يحيى وعلي العدوي للفتهما انتباهي إلى هذا الفيلم ومدّي بتعليقات ثمينة.
- وقد سبقه «أنت، وجيه» (٢٠٠٥)، عن تجربة والد صانع الفيلم في معتقلات عبد الناصر، و«العذراء والأقباط وأنا» (٢٠١١). في «الحياة بعد سهام»، يفاجئ وجيه عبد المسيح ابنه أمام الكاميرا بأنّه أثناء الخطوبة كان يعمل في المؤسسة العامّة للسينما.