تجارب سينمائية بديلة في السياق المصرى

صورة مأخوذة من مقال أمير العمرى "ذكريات حول تاريخ السينما" (الرابط في اسفل المقال) الصورة ليوسف شريف رزق الله (اليمين) مع فتحي فرج (الوسط) واحمد رأفت بهجت (على اليسار)

كتب أحمد رفعت

ليس من السهل اختيار لحظة تاريخية بعينها كبداية للكتابة عن التجارب السينمائية التي جنحت عن النظام الإنتاجي أو التوزيعي المهيمن على صناعة السينما بمصر. فمحاولات التنظيم للعمل الذي يسمح بنوع من أنواع التفاوض مع الرأسمال السينمائي بدأت من الأربعينيات، وهناك لحظة دخول الدولة والمال العام المصحوب بخطة مركزية للثقافة إلى المجال الفني في أوائل الستينيات متمثلة في تجربة القطاع العام ومؤسسة السينما منذ عام 1963  وحتى عام 1973 وهي لحظة حاولت الدولة فيها السيطرة على الكثير من الأنشطة كما حاولت أيضاً بشقها اليساري إثراء بعدها الشعبي. ولكن تلك المقالة تتبع خطى بعض نقاد السينما والثقافة منهم على سبيل المثال غالي شكري وأمير العمري في اعتبار هزيمة 67 اللحظة المناسبة للبداية حيث انها لحظة انكسار وتراجع النظام الذي هيمن على الحياة السياسية والثقافية في مصر لمدة تقترب من ال 15 عاماً وصل أوجها في 65.

كان قد بدأ يلوح في الأفق قبل لحظة الهزيمة في 67 ثم أكثر وضوحاً بعدها إنتاج فني مضاد للخطاب الرسمي المهيمن. كان صنع الله ابراهيم قد كتب” تلك الرائحة” سنة 1966 وأعاد يوسف إدريس نشر روايته المنتقدة لليسار المصري “البيضاء” سنة 70، نفس السنة التي أخرج فيها يوسف شاهين “الاختيار” من تأليف نجيب محفوظ تلاه بفيلم “العصفور” سنة 72. كما أن سنة 67 ذاتها هي سنة عودة ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق ومصمّم هيكل مؤسسات الثقافة العامّة في مصر للوزارة.

على خلفيّة وزارة ناصر الجديدة التي أعادت ثروت عكاشة لوزارة الثقافة وعلى خلفيّة بيان 30 مارس أيضاً [رابط البيان موجود في “المصادر” اسفل المقال] وخروج بعض الشيوعين من السجن لتولي المناصب الثقافية كانت لحظة ما بعد الهزيمة لحظة انفراجة سينمائية على اثر تراجع هيمنة فئة بعينها على مقاليد الأمور. شهدت تلك اللحظة أيضاً تورّط القطاع العامّ السينمائي في بعض الإنتاجات التي تحمل حس نقدي مثل “المتمردّون” لتوفيق صالح. وبالتالي يمكننا القول ان لولا الهزيمة وما ترتّب عليها من تغيّرات في المجتمع ما أتيحت الفرصة لوجود مبادرات سينمائيّة بديلة. كانت قد ظهرت في السنوات التي تبعت 67 ثلاث مبادرات سينمائيّة هامّة اشتبكت مع تلك اللحظة التاريخيّة ومتناقضاتها وأسهمت في تطوير المجال السينمائي. المبادرة الأولى هي مبادرة إنتاجية وهي جماعة السينما الجديدة أما الثانية فهي محاولة لخلق مجال نقديّ للمشاهدة وإنتاج معرفة مكتوبة عن السينما من خلال نادي القاهرة للسينما والثالثة هي محاولة الخروج عن مركزية العروض السينمائية من خلال برامج أفلام تُعرض بقصور الثقافة بالمحافظات.

جماعة السينما الجديدة

بدأت جماعة السينما الجديدة في 1968 من الرغبة في إعادة توزيع ميزانية مؤسسة السينما ليحصل الجيل الجديد من السينمائيين على فرصة لعمل أفلامهم. كان قد تم افتتاح معهد السينما منذ سنة 1959 وبدأ شباب المخرجين والمصورين والمونتيرين في التخرج والبحث عن طرق لعمل أفلامهم. في عهد ثروت عكاشة بدأ نشاط مؤسسة السينما في إنتاج الأفلام و لكن كان يحصل على أغلب الميزانية المخرجين الأكبر سناً من الأجيال الأقدم فجاءت جماعة السينما الجديدة رافضة لذلك.

ضمّت الجماعة مخرجين شبان في ذاك الوقت لم يكونوا قد أنتهوا من عمل فيلم طويل بعد وهم محمد راضي (المنسوب له تأسيس جماعة السينما الجديدة) وعلي عبد الخالق ( مخرج “أغنية على الممر”) والفلسطيني غالب شعث ( مخرج “الظلال في الجانب الآخر”) هذا بجانب رأفت الميهي وداود عبد السيد وأشرف فهمي، والمصورون محمود عبد السميع وسعيد شيمي وسمير فرج، والنقّاد سامي السلاموني وسمير فريد ويوسف شريف رزق الله واخرون ممن لمعت أسمائهم فيما بعد. ولكن كإنتاجات تحت راية الجماعة لم يظهر للنور غير فيلم “أغنية على الممر” و”الظلال في الجانب الاخر” وقد منعت الرقابة عرض الأخير ثم أتاحته بعد فوزه في مهرجان كارلو فيفاري في تشكوسلوفكيا. ومن المثير للسخريّة أن الجهات التي ساهمت في منع الفيلم هي التي أرسلته إلى مهرجانات اصلاً. وبعد أخذ الفيلم للجائزة سمحت به الرقابة لتمنعه مرة اخرى بعد أسبوع لما أثاره من مشاكل سياسية. النموذج الإنتاجي لجماعة الفيلم، كما يحكي الناقد أمير العمري، كان أن تدفع الجماعة أجور العاملين بالفيلم وأن تتولى الدولة ما تبقّى من الإنتاج من معدات واستوديوهات وخلافه، وتلك هي شروط إنتاج الفيلمين سالفين الذكر التي قامت الجمعية بإنتاجهم.

شهدت سنة 68 ميلاد العديد من المطبوعات الثقافيّة التي كانت تنادي بأفكار طليعيّة جديدة مثل “جاليري 68” التي كتب أحمد مرسي في الصفحات الأولى من عددها الاول أن المجلة تطمح إلى وضع “لبنة متواضعة في صرح الوطن الاشتراكي الديمقراطى الحر الجديد.”  وأُتيح ايضاً في العام نفسة لجماعة السينما الجديدة بعض صفحات من مجلة “الكواكب” التي كان يرأسها حينئذ رجاء النقاش إحدى علامات الثقافة في الزمن الناصري وما تلاه. كان للبضع صفحات اسم مستقلّ وهي مجلة “الغاضبين” وكان يتولى تحريرها فتحي فرج وهو المحرض على مشروع نوادي السينما بقصور الثقافة وسيأتي ذكر فرج ثانية في هذا المقال عند الحديث عن مشروع نوادي السينما بشكل أكثر تفصيلاً. مع الوقت أصبح للجماعة وجود لا يمكن تجاهله مما اتاح لها إمكانه التفاوض مع وزارة الثقافة الممثلة في مؤسسة السينما أو باختصار التفاوض مع ثروت عكاشة في إنتاج أفلام بالمشاركة مع الدولة.

خلال نفس اللحظة التاريخية التي أنشأ فيها مجموعة من السينمائيين جماعة السينما الجديدة وتولي ثروت عكاشة لوزارة الثقافة وهيمنت مؤسسة السينما على الإنتاج، أمتدت تجربة الإنتاج البديل إلى الرغبة في خلق سياق بديل لمشاهدة الأفلام وهي رغبة منطقية إذا نظرنا إلى أوائل نتاجات مؤسسة السينما والتي أغرقت قاعات العرض المصرية بعشرات الأفلام الكوميدية الخفيفة التي لم تشتبك مع الواقع السياسي المشحون نهائياًوأشتركت المؤسسة مع جهاز الرقابة في منع الأفلام ذات المحتوى السياسي من الوصول إلى شاشات السينمات. نادي القاهرة للسينما كان المشروع الذي خرج من رحم وزارة ثروت عكاشة ليقدم بعض البدائل.

نادي القاهرة للسينما

تأسست في القاهرة سنة 60 بمبادرة من الناقد أحمد الحضري جمعية الفيلم [يمكن قرأت المزيد عن الحضرى هنا] وهي الجمعية المستمرة إلى الآن ولها مهرجان سنوي يقام بالأوبرا المصرية يحتفى بالانتاج السائد. ولكن كانت جمعية الفيلم آنذاك ملجأ للأفلام القصيرة والتسجيلية سواء للإنتاج أو العرض أو كمنصة للإشتراك في مهرجانات للأفلام القصيرة والتسجيلية. وكان للجمعية مهرجان لتلك النوعية من الأفلام – لا أعلم حقيقةً متى انتهى. كما ساهمت الجمعية في إنتاج أفلام منهم “حصان الطين” لعطيات الأبنودي وكانت ايضاً تصدردورية تحتوى على نشاط الجمعية بجانب المقالات النقدية.

ساهم العديد من النقاد والمثقفين المتورطين بجمعية الفيلم في إنشاء نادي القاهرة للسينما في68 وربما ليس صدفة أن أول من تولى إدارة العروض والمناقشات هو قاضي مجلس الدولة وإحدى رقباء السينما سابقاً مصطفى درويش، فالدولة ممثلة في ثروت عكاشة لم تكن بعيدة عن المشروع وربما كانت رغبتها منه هي احتواء هذا الجيل الجديد من السينمائيين خاصة تحت ظل الظرف السياسي المتوتر الذي تبع الهزيمة.

وليس صدفة أيضاً أن استفاد النادي من مخزون الأفلام التي منعتها الرقابة في مصر والتي كانت تُعرض مرة واحدة وبدون ترجمة. ومما يشير عن وضع الرقابة المهيمنة في وقتها إنه حين اُعلن عن فتح باب القبول لعضوية النادي تقدم أكثر من ثلاثة الاف عضو لما شيع أن النادي سوف يعرض أفلاماً كانت قد رفضتها الرقابة للعرض العام. بدأ النادي ب 300 عضو وتطورت العضوية لتشمل أكثر من ألفين في النهاية. ألفان عضو على الورق ومئات تحضرالعروض وعشرات من الأعضاء المنتظمين – هل من الممكن تخيل نشاط سينمائي نقدي بهذا الحجم الان؟

بخلاف الأفلام الممنوعة من العرض العام كان النادي يعرض أفلاماً يطلبها من المراكز الثقافية في القاهرة وكان أغلبها أفلام فرنسية وإيطالية وأمريكية وسوفييتية. والأفلام ذاتها كانت غير مترجمة ولكن النادي كان لديه طقس مثير للأهتمام فيما يخص محاولة ترجمة الأفلام وصفه لي الناقد أحمد يوسف قائلاً أن ناقد أو متطوع من الجمهور كان يُترجم الفيلم ترجمة حيّة بمعنى أنه يُترجم الكلام من خلال ميكروفون متصلّ بسمّاعات في القاعة فيسمع المشاهدون الحوار بلغته كما يسمعون ترجمة عربيّة متعجّلة لما يُقال. ولا أعرف إذا كان مثل هذا الفعل قد حدث في فعاليّات مشاهدة أخرى سواء وقتها أو حتى وقتنا هذا.

كانت العروض تتمّ بسينما النيل التي كانت تقع بميدان الأوبرا القديم (العتبة حالياً) ولازال ما تبقى من المبنى موجود إلى الآن. مساء الأربعاء من كل أسبوع كان يُعرَض فيلم جديد يصحبه مقدمّة من أحد النقّاد المشتركين بالنادي ويتبعه مناقشة عن الفيلم. أقيَّم إسهامات النادي في رأي الناقد أحمد يوسف هو الدورية المطبوعة التي كان النادي ينشرها والتي كانت كمثيلتها من جمعية الفيلم تضمّ تقريراً عن النشاط بالإضافة إلى المقالات النقديّة وإلى حركة نشطة من الترجمة خاصة من الفرنسيّة.

جاء بعد نادي القاهرة للسينما محاولة لكسر هيمنة القاهرة على النشاط الثقافي وبدأت محاولات لاستغلال آليّات القطاع العامّ الثقافيّ في نشر طقوس مشاهدة جديدة إلى محافظات أخرى.

فتحي فرج وقصور الثقافة

فى عام 1965 أنشأ سعد كامل، المثقّف اليساريّ الذي حبسه ناصر مع الشيوعيّين المصريين لمدة خمس سنوات، جهاز الثقافة الجماهيرية أو بمعنى أصحّ استولى على ما كان يُعرف بالجامعة الشعبيّة في مصر قبل الثورة وحولّها إلى الثقافة الجماهيرية وهو ما يُعرف الآن بإسم قصور الثقافة والذي حوّل قصور الأمراء إلى أماكن فنيّة تابعة لوزارة الثقافة.

تعاون سعد كامل مع فتحي فرج على مشروع نوادي سينما الثقافة الجماهيرية في 1969 والذي ضمّ 16 نادياً وتوسّع إلى 18 نادي فيما بعد، صاحب المشروع مثل باقي المشاريع السينمائية وقتها مطبوعة تصدر بالتوازي مع العروض وكان بها تقرير عن الأنشطة ومقالات نقديّة وتولى فتحي فرج رئسة تحريرها.

من خلال آلية نظمها فرج، كانت الأفلام تسافر بصحبة ناقد لتُعرض في قصور الثقافة التي امتدت إلى شتّى انحاء الجمهورية وكان دائماً يتبع العرض مناقشة حول الفيلم. ضمّ ذلك النشاط العديد من النقّاد منهم أحمد يوسف الذي حكى لي بحنين عن التجربة وعن كيف قابله أحد روّاد تلك النوادي بعدها بسنين لتذكيره بإحدى العروض التي كان قد أدارها بقصور الثقافة. وجدير بالذكر أن فرج ترك وزارة الثقافة بعد مجيئ يوسف السباعي كوزير للثقافة في عهد السادات في 1974.

خلقت اللحظة السياسيّة للنظام الناصري بعد الهزيمة شروط الإمكان لذلك النوع من النشاط السينمائيّ من حيث التفاوض مع مؤسسة الدولة السينمائيّة لتكون خياراتها الإنتاجيّة أكثر ديمقراطيّة تجاه جيل أصغر من السينمائيّين وامتداد تلك التجربة لتشمل مناخ نقديّ للمشاهدة ولكنه مركزيّ ومحتجب وراء عضوية إلى محاولة كسر تلك المركزية في فرص مشاهدة الأفلام.

ومثلما كانت الهزيمة بكل ما صحبها من ظهور أو إعادة ظهور لأسماء مثل ثروت عكاشة وسعد كامل وغيرهم الحافز والشرط لهذا النوع من النشاط ، كان “الانتصار” إشارة إنحسار تلك اللحظة مع ظهور أنور السادات وثورة التصحيح التي شنّها بمجيئ يوسف السباعي وما تبع ذلك من تنحي للمثقّفين اليساريين الذي أتى بهم بيان 30 مارس إلى واجهة الثقافة الرسمية.

تشير تجربة تلك المبادرات الثلاثة إلى نشاط ثقافي حدث في المساحة بين المبادرة الأهلية والقطاع العام وتفصح عن مدى تشابك الأطرف المعنيّة وتفاوضهم قبل أن يكون النشاط الثقافيّ منقسم بين رسمي ومستقلّ بتلك الحدّة. إذا ادعيّنا الان البحث عن طرق نستطيع من خلالها كسر هيمنة نمط إنتاجي بعينه وخلق طقس مشاهدة يحمل حسّ نقديّ ومُشتبك مع سياقه السياسيّ فربما هذا هو تاريخ من حاولوا شيئاً شبيهاً خلال لحظة من تاريخ مصر مشحونة سياسيّاً تجعلها جديرة بالزيارة.

المصادر:
أعتمدت تلك المقالة على التأريخ الغني الذي وفره الناقد أمير العمري للمبادرات السينمائية المذكورة وغيرها مما امتد خلال السبعينيات والثمانينيات أذكر من تلك المقالات:

ذكريات حول تجربة نادي السينما: http://www.eyeoncinema.net/Details.aspx?secid=54&nwsId=804
ذكريات حول تجربة نادي السينما:http://life-in-cinema.blogspot.com.eg/2012/08/blog-post.html
وجماعة “السينما الثالثة” والتحليق فوق الواقعhttp://life-in-cinema.blogspot.com.eg/2008/09/blog -post_25.html

كما اعتمدت فيما يخص تاريخ القطاع العام السينمائي المصري على ملف مجلة السينما العربية في عددها الأول الصادر في شتاء 2015 تحت عنوان: “القطاع العام في السينما العربية ما له وما عليه” ويمكن إيجاد الملف هنا: http://www.caus.org.lb/PDF/EmagazineArticles/almalaf.pdf

يمكن قراءة بيان 30 مارس الذي ألقاه ناصر في 68 هنا: http://nasser.bibalex.org/Data/GR09_1/Speeches/1968/680330_bayanat.htm

كما وجدت مفيداً السرد التاريخي عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في هذا المقال المنشور ب”مصرس” بتاريخ أكتوبر
2013:
http://www.masress.com/october/142365

كما استبصر المقال برؤية الناقد غالي شكري لانعكاس الهزيمة على اللحظة الثقافية بمصر خاصة في كتابه “النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث.”

صورة المقال بالاعلى مأخوذة من مقال”ذكريات حول تاريخ السينما”لأمير العمرى (الرابط هنا). الصورة ليوسف شريف رزق الله (اليمين) مع فتحي فرج (الوسط) واحمد رأفت بهجت (اليسار) 

المقال عند النشر أشار لمجلة “جاليرى 68” على انها مجلة مهتمه بالفن التشكيلي. صححنا الخطأ في 17 سبتمبر 2016.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s