١   ٢   ٣   ٤   ٥   ٦
هل هذه هي فلسطين؟

قراءة ذاتية لفيلم ”شكرا لأنك تحلم معنا“ من إخراج  ليلى عباس
بقلم هبة عبيد


©ALFILM


يبدأ فيلم “شكرا لأنك تحلم معنا”  لليلى عباس في مكان مألوف. مبانٍ عالية، شمس قوية. هل هي مصر؟

تفتح البطلة الباب الذي يشبه باب بيتي في حلب. أستطيع أن أشمّ رائحة الطعام القادم من بيت الجيران. وأستطيع أن أشعر بالبرودة القادمة عندما تدخل البناء في يوم صيفي حار.

لا يمكن أن تكون مصر، البطلة تتحدث باللهجة الفلسطينية. لا يوجد الكثير من الفلسطينيين/ات في مصر الذين لا يتحدثون/ن اللهجة المصرية حتى في بيوتهم.

صحيح لماذا نقوم بذلك، نحن القادمين من بلاد الشام؟ ما إن نلتقي أحداً يتحدث اللهجة المصرية حتى ينقلب لساننا ونبدأ بالحديث بلهجة مضحكة و"كرنجي" أحيانا كثيرة.

هل هي عمان إذن؟ إنها تشبه منطقة اللويبدة كثيرًا. الجميع يتحدث الفلسطينية ربما هم أردنيون/ات من أصول فلسطينية.. لا يمكن أن تكون إلا عمان: الشوارع، السيارات، الحارات التي تطل من علو..

هل يمكن أن تكون فلسطين؟ أي فلسطين فيهم؟

ربما كفلسطينية أستطيع أن أقول إنها قد تكون رام الله. لكني لا أعرف من رام الله سوى فيديو سما عبد الهادي في "البويلر رووم"، التي تؤكد النظرة النمطية عن المكان؛ حيث كل الناس هناك قادمون من الخارج، ويتحدثون الإنكليزية أكثر من العربية، ويعيشون في فقاعة لا أحد يعرف عنها سوى "الاكسبات" القادمون من بلاد البياض، حتى يشعروا بمعنى أن تكون فلسطينيا ولكن بنفس الوقت أن تعيش حياة فاخرة.

نعم.

إنها رام الله.. هذا هو الدوار وخلفه جملة "اي لوف رام الله".

أنا سعيدة حقاً ومتحمسة. إنها المرة الأولى التي أشاهد فيها فيلمًا فلسطينيًا يتحدث عن حياة عادية لأشخاص عاديين، ولديهم مشاكل عادية: طفل مراهق يشاهد أفلامًا إباحية، أم تعمل كل النهار وتتذمر من خياراتها كأي أم عربية، الجارة الفضولية. نعم إنه فيلم فلسطيني دون أن نشاهد جنديًا إسرائيليًا واحدًا. إنه فيلم فلسطيني من دون أن نذكر النكبة أو النكسة. ومن دون أن يكون الفلسطيني ضحيةً أو بطلًا.

إنها أمي، تطبخ وتعلّم إخوتي درس القراءة. إنها أنا، أحمل على عاتقي كأختٍ كبرى  حمل العائلة دون أن يرى أحد ذلك. إنها أختي الصغيرة التي تعيش مع أبي وتهتم بمواعيد دوائه وأنا آتيةٌ لأزورهم مرتين في السنة من برلين.

إنه أخي الذي يعيش مع عائلته في بلادٍ بعيدةٍ، ويشعر بأنه معنيٌّ بكل شيءٍ، وله رأيٌ في كل شيء.

إنه أبي الذي كان أسيرًا، وكان علينا أن نتحمّل بعد ذلك كل ما حصل له هناك.

لماذا يطرد كل الآباء الفلسطينيون أولادهم من البيت عند أول مشكلةٍ قد تحصل؟ هل الطرد بالنسبة لهم هو أكبر عقاب؟ الطرد من الجنة؟ الطرد من الأرض المقدسة؟

"أنت واحد سرسري". منذ زمن لم أسمع كلمة سرسري. أذكر عندما سمعتها للمرة الأولى في شارعٍ في مدينة أنطاكية التركية، بعد أن انتقلتُ للعيش هناك مع بداية قصف النظام السوري لمدينة حلب التي ولدت فيها. سألتُ صديقتي إن كان الأتراك يأخذون كلمات كثيرة من اللغة العربية، فقالت لي إن "سرسري" كلمة تركية وتطلق غالبًا على المشردين.

أما عندنا فكانت دائمًا مرتبطة مع كلمة "عرص": "يا سرسري ياعرص".
لا أعرف كيف أصبح الربط في اللغة العربية المحكية ولكني لا أستطيع أن أسمعها في رأسي كلمة واحدة.

* * *

هل مات الأب بهذه السهولة؟ هل نموت فجأة هكذا؟
لماذا، حتى في الموت، يجب أن يتم إخبار الرجال أولاً؟
هل النساء غير قادرات على تحمل الفكرة؟ أم أننا موصومات  بالعاطفة؟

العاطفة التي لو أنها وجدت مكانًا أكبر في هذا العالم لأصبح أكثر أمانًا.

في الفيلم تسحرني الشخصية التي تمثل دور البنت الأصغر في العائلة منذ البداية وهي تضع النظارات في جلسة الليزر. أبكي عندما تبكي جرحًا، وأشعر بالقوة عندما تحل لغز صوت الهاتف.

أتذكر علاقتي بأختي الصغيرة سليطة اللسان، والحديث مع المهربين في رحلة اللجوء.

أتذكر يومًا ما عندما جلستُ على رصيف منطقة حدودية أبكي بصوت عالٍ وبعدها بساعة كنت أرقص في بارٍ فيه موسيقى حية، حين بدأ المغني بغناء أغنية حلبية.

* * *

أشاهد النخيل في رام الله. لم أكن أعرف أن هناك شجر نخيل في رام الله.

ظننت أنه فقط في مايوركا في مدينة النخيل.

نعم إنها فلسطين التي لا أعرف. إنها فلسطين المجردة من كل الإطارات والترندات والاحتلالات

"يقترب مني صديقي ويوقظني من أغنية فوق النخل.. ليقول: مستحيل هاد المشهد يفهمه حدا ألماني"

حين تطرق الأخت الكبرى باب الجارة في منتصف الليل تقريبًا وتعطيها ابنها، وتطلب منها أن يبقى عندها دون أي تبريرات أو موعد. يدخل الطفل بيت الجارة لتقوم هي بمهام الأم بكل سلاسة دون أي تردد.

كيف يمكن أن تتركي ابنك عند الغرباء؟ هل الجارة غريبة أصلًا؟ أم أنا التي أصبحت غريبة عن ثقافتي.

نعم النساء! النساء في مجتمعاتنا يقمن  بكل شيء ولكن في النهاية يجب أن يجيب رجل على الهاتف. يجب أن يقوم رجلٌ ما بتأكيد ومباركة ما نريد فعله.

وفي النهاية لا يسعني إلا أن أقول إنه رغم كل ما حصل ويحصل وما نكافح ونفعل كل يوم، هناك احتلال يمسك برقابنا كفلسطينيين/ات، ويعبث بمصائرنا،
يحوّل رجالنا لوحوشٍ أحيانًا، أو أبطالًا أحيانًا أخرى.
وها نحن ذا ندفع مايقوم به جيلًا بعد جيل.
هبة عبيد

هبة عبيد صحفية وكاتبة فلسطينية متخصصة في السرد القصصي وإنتاج البودكاست. وُلدت في مدينة حلب، ودرست الأدب العربي، وتقيم في برلين منذ عشرة أعوام.

نشرت، بصفتها صحفية، تحقيقات وتقارير صحفية ووثائقيات إذاعية ومقالات رأي باللغات العربية والألمانية والإنجليزية، في صحف ألمانية ومجلات عربية. وتعمل حالياً في Deutschlandfunk وDeutschlandfunk Kultur.



Copyright ©