١   ٢   ٣   ٤   ٥   ٦


ماذا لو كانت الرائحة آخر طريقٍ للحب؟

قراءة ذاتية لفيلم ”كولونيا“ من إخراج محمد صيام
بقلم صافي سكران  


©ALFILM



هذه المرة لم أقرأ عن الفيلم ولم أشاهد شريطه الدعائي. قررت مشاهدة فيلم "كولونيا" للمخرج المصري محمد صيام أثناء فعاليات الدورة السابعة عشرة لمهرجان الفيلم العربي برلين، من عتبة الرائحة لا من عتبة الحكاية.

لم تكن رائحة الكولونيا تفصيلًا عابرًا بالنسبة لي. ظلّت زجاجات عطر الكولونيا راسخة على رف المغسلة في حمام بيتي، تتسلل من خلالها رائحة الماضي عائدةً إليّ متى تريد.

قد تبدو حكاية الفيلم بسيطة: أب مريض يعود إلى بيته بعد إفاقته من غيبوبة طويلة، وابن يضطر إلى قضاء ليلته مع أبيه، ثم في الصباح يُعثر على الأب ميتًا. تتكثف أحداث الفيلم في سؤال واحد: ماذا حدث في تلك الليلة؟

عنوان الفيلم وحده كان كافيًا لأستعيد رائحة بيت وعائلة وطفولة، أشياءً وأحداثًا حاولت طويلًا أن أغادرها بسلام. ولكني اليوم منفتح أكثر لمواجهتها، فلا مجال لإبقائها خامدة.

ولنبدأ بمحاولة فهم معنى الأبوة من وحي النموذج الذي يصوره الفيلم. قد تمثل الأبوة سلطة، وبيتًا، وذاكرة، وجرحًا لا يندمل، ومشاعر ندم، أو أحيانًا قد تمثل حبًّا لم يستطع الإعلان عن نفسه إلا بطريقة مؤذية أو صامتة أو متأخرة.

نادرًا ما تكون علاقة الأب بالابن علاقة بين شخصين فحسب. هناك دائمًا أطراف أخرى غير مرئية: المجتمع، الدين، مفاهيمنا عن معنى الرجولة، تاريخ العائلة، الفقر، المرض، الخوف من الفضيحة، أو صورة الابن كما تمنى الأب له أن يكون. فحين يقول الابن: "يا أبي"، فهو لا يشير إذن إلى رجل بعينه، بل إلى نظام كامل تربى داخله. وحين يحاول التحرر منه، فهو لا يتحرر من شخص، بل من منظومة كاملة، لغة لها قواعدها الخاصة، تعلم بها أن يرى نفسه ويصفها للآخرين.

أثناء مشاهدة فيلم "كولونيا" تيقنت أن أبي لم يكن بحاجة إلى أن يكون حاضرًا طوال الوقت كي يبقى حاضرًا بداخلي. كان أبي دائم الغياب. كنت أستيقظ للذهاب إلى المدرسة وهو نائم، وأعود منها لأجده قد غادر، ثم أعاود النوم قبل أن يعود من جولاته في الخارج، في دوائره الخاصة التي ربما أحبها أكثر مما أحب عائلته.

رغم غيابه المستمر، كان بيته يعرفه. تخته كان يعرفه. غائب، لكن أثره باقٍ في منطق الأشياء ومواضعها، وحاضر في داخلي أيضًا. أحيانًا يكفي صدى لصوته أو لصراخه، لمحة من طريقته المعتادة في النظر، ذكرى حكم من الأحكام التي اعتاد إصدارها على الأشياء، أو رائحة تركها في بيت مغلق، كي يظل الأب حيًّا في داخل الابن أطول وأعمق مما نعتقد.

حوار "كولونيا" المكثف والسجالي بين الأب (كامل الباشا) والابن (أحمد مالك) ذكرني أيضًا أن ثمة جراحًا لا يمكن ردها إلى لحظة منشئها ونقول: هنا بدأ كل شيء. ثمة آلام توجعنا بالتراكم، تتعقّد مثل رائحة في غرفة مغلقة؛ لا نعرف بالضرورة مصدرها، لكننا نشعر بسطوتها في غزو المكان.

هل يصلح الصمت حباً؟

لم يحاول أبي التعبير عن حبه لي، ولم يطلب مني يومًا الاعتراف بحبي له. بدت رعايته لي، ورعايتي له، أمرين شارحين نفسيهما بنفسيهما، لا يحتاجان إلى خطاب. هذا هو الخاطر الذي راودني وأنا أحاول فهم معاناة الابن في "كولونيا". فرغم غياب مشاهد كثيرة لذاكرة البيت والأم، شعرت أن الأب يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، قاسيًا وقائمًا بوظائف الرعاية التي قد نفهمها لاحقًا بوصفها تعبيرًا عن الحب. قد يستيقظ باكرًا، وقد يُحضِّر الفطور للبيت، وقد يفعل كل ما يراه واجبًا، لكنه لا يستطيع أن يجعل ذلك مفهومًا للابن بوصفه تعبيرًا عن الحب.

في ذاكرتي ربما كان هناك حبّ ما، لكنني لم أعرف كيف أقرأه. لم يصلني يومًا في صورة كلمة أو إيماءة أو طمأنة؛ لم يُفصح عن نفسه، لا مباشرةً ولا ضمنًا. وصل، إن كان قد وصل، متأخرًا ومشوّهًا، كشيءٍ تُرك لي أن أفسّره وحدي بعد سنوات. وما زلت أبحث في الذاكرة عن أي مفارقة أستطيع أن أكتشف فيها شكلًا من أشكال ذلك الحب الذي لم يعرف كيف يصل.

أحيانًا لا يكون الأب قاسيًا لأنه بلا حب، بل لأنه يحبّ من داخل نظام مغلق؛ يعتقد أن طريقته هي الطريق الوحيدة، وأن الخوف حماية، والصمت قوة، وأن على الابن أن يفهم من تلقاء نفسه. عندها لا يخرج الابن من بيت أبيه لأنه يكرهه بالضرورة، بل لأنه يحتاج إلى أن يستعيد نفسه ويلملم ما تفرّق منها. وهذا النوع من الخروج مؤلم على نحو خاص، لأنه لا يمنح الابن سردية سهلة: فهو لا ينتصر على شرّ واضح، ولا يهرب من غياب الحب، بل يبتعد عن حبّ كان يضيّق عليه.

أحيانا أشعر بالفخر بأن والدتي هي التي كانت مركز البيت، وبالحزن لأن والدي أصبح كالثقب في الذاكرة. غيابه صنع حضوره، وجعلني أكبر مع صورة ناقصة، إلى أن ظهر لاحقًا لا كقوة معتادة، بل ككائن ضعيف، سواء بفعل المرض أو التقدم في العمر. لكن عودته لم تمنحني الراحة. فالابن، حين يواجه أباه في ضعفه، لا يواجه الماضي وحده، بل يواجه أيضًا الصورة التي نسجها داخله عن الأب وعن الحب. يكتشف أن القداسة التي أضفاها الزمن على العلاقة لم تُلغِ الجرح، وإنما غيّرت شكله. ومع هذا الاكتشاف تتسلل أسئلة أكثر إزعاجًا: ماذا لو كنت أشبهه أكثر مما أريد؟ ماذا لو لم يكن الأب أصل الجرح فحسب، بل مرآة لاحتمال خراب يسكنني أنا أيضًا؟

عندها لا يعود السؤال: لماذا غاب أبي؟ بل يصبح: ماذا فعل غيابه بي؟ ماذا ترك في داخلي من فراغات، ومن طرقٍ في الحب والخوف، ومن صورٍ لنفسي لم أكن لأعرفها لولا هذا الغياب؟

أعتقد أن الأمر تبدّل كثيرًا في يومنا هذا، لكن في الزمن الذي ترعرع جيلي فيه والأشكال الاجتماعية التي فرضها، لم يكن الأب مجرد رجل داخل البيت. كان صورةً للطاعة والهيبة والذكورة. يتحرك البيت بحسب حضوره، حتى في غيابه. والأبناء لا يعيشون معه فقط، بل يعيشون تحت صورته. سلطته لا تأتي من صوته وحده، بل من اعتراف الجميع بمكانته.

لذلك تبدو العلاقة مع الأب متصلةً بسؤال أكبر منها: كيف يصنع البيت أبناءه؟ كيف يتحول الأب إلى قانون؟ وكيف يكبر الابن محاولًا أن يفهم ما الذي يربطه بأبيه حقًا: هل لا يحبه، أم يخافه؟ هل يحبه رغم خوفه منه؟ أم أنه، وهو يحاول طوال الوقت أن يفلت من صورته، يكتشف في نفسه رغبةً في أن يصبحه؟


يأتي فيلم "كولونيا" ليعيد استكشاف علاقة الأب بابنه من داخل بيت صغير مغلق، يسكنه المرض، الرائحة و بقايا الحكايات. لا يحتاج سرد الفيلم إلى فضاء واسع، لأن العلاقة نفسها هي الفضاء. الغرفة تكفي. السرير يكفي. الصمت يكفي. الأب المريض ليس ضعيفًا فحسب، والابن الغاضب ليس بريئًا فحسب. كلاهما محبوس في نظام اجتماعي لم يُحكَ كما ينبغي.

في الفيلم والواقع، الرائحة ليست شيئًا يُشم فقط. إنها طريق للعودة. شيء لا يُرى، لكنه يملأ المكان، يسبق الكلام، يصعب طرده أو التخلص منه. ربما لهذا بقي العنوان عالقًا بي أكثر من الحكاية نفسها.

"كولونيا" ليست كلمة محايدة. إنها الحمّام، والرف، وزجاجة العطر، والجسد الذي نحاول أن نخفي رائحته، والبيت الذي يظل عالقًا بنا حتى بعد أن نغادره. فبعض البيوت لا تسكنها الذاكرة بالصورة، بل بالرائحة.

وأبي، كلما حاولت أن أحدد صورته، أفلتت مني. أحيانًا أراه رجلًا، وأحيانًا يرتسم في خيالي كغياب، وأحيانًا كصوت يتحرك بداخلي ويصدر أحكامًا، وأحيانًا كذكرى لا أعرف إن كنت أريد الاحتفاظ بها أم التخلص منها. لكنه، في كل محاولة لاستحضاره، يترك شيئًا يبقى كرائحة معتقة: إحساسًا بالخوف، بالذنب، حاجةً إلى الاعتراف، وسؤلاً ملحّاً: هل كنت محبوبًا؟ وهل يكفي أن يكون الحب موجودًا إذا لم يعرف كيف يظهر ويعبر عن نفسه؟

في "كولونيا"، كما في حياتي، تبدو علاقة الأب بالابن غير قابلة للحسم. فالمصالحة ليست دائمًا ممكنة، والقطيعة ليست دائمًا نهائية. قد يبتعد الابن، لكنه يحمل معه طريقة الأب في الحكم على الأشياء. وقد يرفضه، ثم يكتشف لاحقًا أنه يتكلم أحيانًا بصوته. وقد يكرهه، ثم يعثر في ذاكرته على تفصيل صغير لا يعرف أين يضعه: يدٌ متعبة، صباحٌ بارد، طعامٌ على الطاولة، نظرةٌ عابرة، أو محاولةُ حبٍّ فاشلة.

ربما كانت المشكلة أن كلاً منهما يتحدث بلغة لا يفهمها الآخر. يظن الأب أن الصمت يكفي، بينما ينتظر الابن كلمة تفصح عما ظل مغلقاً في مجاهل الضمنية كي يتحرر. يظن الأب أن القسوة شكلٌ من أشكال الحماية، بينما لا يتلقاها الابن إلا بوصفها رفضًا. يطلب الأب من ابنه أن يكون قويًا، فيزرع فيه خوفًا دائمًا من إظهار ضعفه. ويريد أن يرى امتداده فيه، فلا يترك له مساحةً ليصبح شخصًا آخر.

وهكذا يكبر سوء الفهم بينهما، لا بوصفه خلافًا عابرًا، بل كلغةٍ ثالثة لا ينطق بها أحد، لغة الصمت التي تتحول، مع الزمن، إلى ذاكرة كالرائحة، لها وقعها وسطوتها، ولكنها مجردة من الأصوات والكلمات.

لم أبنِ مشاهدتي لفيلم «كولونيا» على إدانة الأب أو تبرئة الابن. قرأته باعتباره حكاية عن حبٍّ لم يجد لغة يعبر بها عن نفسه، وعن عائلةٍ لا تصنع روابطها بالمحبة وحدها، بل أيضًا بما تعجز عن قوله. فبين الحب والصمت تتشكل الذاكرة.

أكتب هذه السطور كمشاهد لفيلم عن الأبوة، وكابن، في الآن ذاته. والابن، حين يكتب عن أبيه أو يستحضره، قد لا يحاول فقط أن يفهمه، بل يحاول أيضًا أن يستعيد نفسه من الصورة التي صيغ داخلها، وأن يميّز ما يخصه عمّا ورثه، وما اختاره عمّا فُرض عليه.

ربما تكون الكتابة عن الأب محاولةً متأخرة لترتيب غرفةٍ قديمة. نفتح النافذة، لكن الرائحة تبقى. يرش الابن العطر، كأنه يحاول أن يطرد شيئًا من المكان، لكنه يكتشف أن ما يقاومه ليس رائحة المرض وحدها، بل رائحة تاريخٍ عائليٍّ كامل. ننقل الأثاث، لكن أثره يظل مطبوعًا على الأرض. نقول إننا كبرنا، لكن طفلًا ما يزال واقفًا عند الباب، ينتظر أن يعرف: هل سيُسمح له أخيرًا بأن يدخل كما هو، أم سيُطلب منه، مرةً أخرى، أن يكون شخصًا آخر؟

خرجت من الفيلم وأنا أفكر أن الرائحة لا تحتاج إلى جسد كي تبقى. ربما لهذا أخافها وأحبها في الوقت نفسه. فهي لا تسأل إن كنت مستعدًا للتذكر، بل تدخل بصمت، تفتح البيت، وتعيدني إلى نسخةٍ قديمةٍ من نفسي كنت أظن أنني غادرتها.

وفي النهاية، لم يعد السؤال الأهم: ماذا حدث في تلك الليلة الطويلة التي دار فيها الفيلم؟

بل: ماذا فعلت صورة الأب داخل الابن؟ وأيُّ جزءٍ من الابن ما يزال، حتى الآن، يحاول أن يخرج من تلك الغرفة؟

لهذا يمكنني أن أصف «كولونيا» هكذا:

هو فيلم عن ابنٍ لا يريد أن يشبه أباه، لكنه لا يستطيع أن يهرب من رائحته.

وعن أبٍ لم يعرف كيف يحب، أو لم يعرف كيف يجعل حبه قابلًا لأن يُعاش.

وعن ليلةٍ واحدة لا تكفي لإصلاح العمر كله، لكنها قد تكفي لأن يرى كلٌّ منهما الآخر للمرة الأولى.

وعن أبٍ لم يكن ابنَ نفسه وحده، بل ابنَ مجتمعٍ ونظامٍ وتاريخٍ كامل، كما أنني أنا أيضًا ابنُ مجتمعٍ ونظامٍ وتاريخ.

لكنني خرجت من الفيلم وأنا أتساءل: ماذا لو كان لأبي، هو أيضًا، نقدٌ ذاتي لم يستطع أن يبوح به؟ ماذا لو ظل يحمل داخله كلامًا لم يجد له لغة، كما لم أجد أنا لغتي إلا متأخرًا؟

وماذا لو كانت كل مرة أعود فيها إلى صوت عبد الحليم، وهو يشدو: «شوف بقينا فين... شوف بقينا فين يا قلبي»، ليست مجرد حنينٍ إلى أغنية، بل بحثًا عن ذلك الحب الذي ظللت أفتش عنه طوال حياتي؟

وماذا لو كانت الرائحة آخر طريقٍ للحب؟

آخر ما يبقى ممن نحب فينا.
صافي سكران
صافي، فنان وممارس ثقافي، أعمل عند تقاطع الوساطة الثقافية والمرافقة الفنية. أنتج أعمالي من خلال مقاربات تشاركية أو تعاونية، ضمن ممارسات فنية مفاهيمية متعددة الوسائط، ترتكز على البحث، والتجريب، والمواد البصرية والصوتية، والاشتغال على الأرشيف.
تتمحور ممارستي حول تفعيل مساحات تجريبية للخلق الحر، والعفوي، والمشترك، وحول البحث في العلاقة بين المكان و التجارب المعاشة، بوصفها مدخلًا لإنتاج سرديات قد تتقاطع مع قضايا التنوع، والتحول الاجتماعي، والموروث الثقافي، وعلاقته بإعادة تخيّل الأشكال الفنية، والثقافة المعاصرة، والموارد في المستقبل.
وبشكل خاص، أهتم بالقراءة والكتابة الذاتية الإنسانية، ومنها النقد السينمائي البديل، ولدي تجارب جديدة في مجال الكتابة الذاتية من خلال مشاركتي عام 2026 مع شبكة ناس ومهرجان الفيلم العربي في دورته السابعة عشرة في برلين.



Copyright ©