كتابة خالد شامس
ترجمة محمد الحاج
يناير 2026
هول، 2017: 210
"الفضاء هو المكان"
صن رع، 1974
"عن الأماكن والفضاءات التي ذهبت إليها."
دونالد بيرد، 1975
وصف هارون فاروقي غرفة المونتاج بأنها مكان بيني، فضاء عتبي حيث لا تتصف المعانى بالثبات ولا تذوب بالكامل. هذه "البينية" تعكس، بالنسبة لي، حالة الشتات ذاتها. نشأت في لندن بين ثقافات، ولغات، وأساطير، وأحزان غير منطوقة، وفي تلك الأجواء أصبحت غرفة المونتاج أكثر من مجرد ملاذ تقني. لقد فتحت لي ما يمكن لهومي بابا أن يسميه "الفضاء الثالث"؛ موقع توليدي يمكن فيه أن يعاد ترتيب وتأويل وحتى رثاء شظايا الذات والنسب والانتماء. داخل تلك الغرفة المظلمة، كان يحدث شيء غير متوقع وأحياناً مقدس؛ كنت أتعلم أن أعيش عملية الصيرورة، ليس كمرحلة مؤقتة بل كنمط للوجود.
حياة الشتات هي حياة تبدأ بالتناثر، بقطيعة عميقة جداً لدرجة أن توابعها الاهتزازية تتردد عبر الأجيال. المونتاج، أيضاً، يبدأ بشظايا: مشاهد مفصولة عن سياقها، لحظات مقتطعة من استمراريتها، صور تحمل عواصفها الداخلية الخاصة. وبينما أرتب صوري الخاصة بذاتي وبنسبي، أبدأ في فهم الحداد الصامت المدمج داخلها. ولكن من خلال وضع الصور المتناثرة في علاقة ببعضها البعض، يتحول الحداد ببطء إلى معنى. يبدأ شعور بالاتساق، لا اتساق الاكتمال بل اتساق الترابط، في الظهور.
يتشارك المونتاج الوثائقي والوجود في الشتات العمارة ذاتها. كلاهما يتطلب المصالحة بين متعددات. كلاهما يسأل: "بمَ نتشبث؟ وماذا نترك؟ أي الغيابات يجب أن تظل مرئية، وأي أنواعٍ من الصمت يجب أن نُجِلّها؟". في المونتاج، كما في الشتات، الذاكرة ليست أرشيفاً محايداً ولا أرضاً ثابتة. إنها تفاوض ديناميكي بين جذب الأصول ودفع التضاريس الجديدة. إن نسج وجهات النظر المتنوعة في سردية يوازي الطريقة التي ينسج بها أبناء الشتات بين التقاليد والواقع المعاصر، مشيدين هويات هجينة عميقة زمنياً ومكانياً.
لفهم التواريخ الشخصية أو السياسية من خلال الفيلم، يجب حماية مساحة المونتاج. يجب أن تقاوم ضغوط السرعة، وقابلية الإنتاج، ومنطق السوق. يجب ألا تعمل كمصنع للحكايات بل كملاذ للصلة، فضاء علائقي يمكن أن تحتوى التواريخ فيه دون استغلال، وحيث يمكن للصور أن تكشف عن حقائقها ببطء، وحيث يمكن للمونتير والمخرج الجلوس مع ثقل ما يتكشف أمامهما. بهذا المعنى، يصبح المونتاج ممارسة شتاتية حميمة، مكاناً للإبحار متكاتفين عبر التفكك، والتعددية، والقطيعة، والعودة. هذا البعد التعاوني هو بحد ذاته شتاتي. عندما يدخل المونتير مشروع ما، فإنه لا يستوعب المادة المصورة فحسب، بل يستوعب أيضاً الترددات العاطفية والسياسية المحفوظة بداخلها. في وقتٍ ما، على وجه القطع، يحين "إنهاك الصورة". وفي هذا الإنهاك يكمن الوحي. تنشأ تفسيرات مستقلة، وتتوالد المعاني. يلاحظ المونتير ما لم يستطع المخرج رؤيته والتقطته الكاميرا. يقترح بدائل تزعزع الرؤية الأولية. هذه هي النقطة التي تصبح فيها الثقة جوهرية، وحيث يجب أن تتراخى التراتبية. في حياة الشتات أيضاً، تنبثق الهوية بأكثر الأشكال المثمرة في المساحات العلائقية حيث تتنحى السلطة لصالح الحوار.
ينتهي الأمر بالمخرجين عند المونتير عادةً بعد رحلة طويلة: سنوات من التجميع، والتصوير، والفشل، والبحث عن التمويل، والبحث عن أنفسهم. يصلون محملين بعبء ما شهدوه والخوف مما قد لا يُترجم. يتحدثون، يشرحون، يبررون. يسردون السياقات السياسية، ولوجستيات الإنتاج، والتنازلات الجمالية، والأزمات الشخصية. خلال هذا طقس للتعارف الأولي، يستمع المونتير ليس فقط للكلمات، بل للصمت الذي يتخللها، لما لا يمكن للمخرج رؤيته بعد في مادته المصورة. وبينما تُهضَم المادة وتُرَتَب، تبدأ الأنماط في الكشف عن نفسها. تبدأ المادة المصورة في "التفكير" في نفسها، مقدمةً مؤشرات حول عملية صنع المعنى الخاصة بها. يتخلى المخرج، إذا ما وثق بالعملية، ببطء عن السيطرة. تبدأ المادة المصورة في توجيهه. هذا فعل شتاتي؛ أن تتبع المعنى بدلاً من أن تفرضه، أن تسمح للشظايا بقيادة الطريق نحو الاتساق.
الصور تحمل ندوباً. ليس كل إطارٍ نقياً؛ ولا كل سجلٍ متراصفاً. "الصورة الفقيرة"، كما تكتب هيتو شتايرل، "تميل نحو التجريد". إنها بداية فكرة بصرية، لا نهايتها المصقولة. الصورة الفقيرة المضغوطة المشوهة المُزاحة، تعكس حالة الذات المُزاحة. إنها تحمل معها آثار الرحلات، والخسارات، والترجمات وإعادة الترجمات. العمل مع مثل هذه الصور هو قبول بأن الوضوح ليس دائماً هو الهدف؛ أحياناً تكون العتامة ضرورية للحقيقة.
المونتاج كفكر شتاتي يعني احتضان الشظية كنمط للمعرفة. يعني تكريم "غير المحسوم" كجزء من السردية. يعني الاعتراف بأن الصور، مثل البشر، تعبر الحدود، وتفقد سياقها، ويجب إعادة موضعتها برفق. يعني فهم أن القصص، مثل الهويات، لا تكتمل أبداً. غرفة المونتاج هي موقع للعودة، لكنها ليست عودة للأصول. بل هي عودة للصلة، عودة لإمكانية صنع المعنى من الشظايا، وللجمع بين الحزن والإبداع، ولصياغة هويات تظل مفتوحة، ومرنة، ومتعددة. بهذه الطريقة، لا يصبح المونتاج مجرد عملية تقنية بل فعلاً عميقاً من أفعال العيش الشتاتي. من خلاله، نفكر مع الماضي، ونعيد تخيل الحاضر، ونومئ نحو مستقبلات تقر بالنزوح ولكن ترفض المحو.
في المونتاج، كما في الشتات، نصبح أنفسنا من خلال تجميع ما تبقى، من خلال إعطاء شكلٍ لما استمر، ومن خلال السماح للمساحات البينية، والقطوع، والوقفات، وحالات الصمت، بالحديث.
مخرج ومنتج ومونتير ومدرب أفلام وثائقية ليبي-جنوب أفريقي ولد في لندن ويقيم في كيب تاون. بخبرة تمتد لأكثر من 25 عاماً، تشمل أعماله أفلام وثائقية طويلة مستقلة أُنتجت في أفريقيا والشرق الأوسط والمملكة المتحدة. يهتم في عمله اهتماماً عميقاً بعملية بناء السرد القصصي، ويعمل بشكل وثيق مع المخرجين وصناع الأفلام في تجاربهم الأولى، لصياغة أفلام تقودها المادة المصورة والأصوات النابعة منها.
خالد عضو في رابطة مونتيرين جنوب أفريقيا، وهو باحث دكتوراه في التاريخ البصري بجامعة كيب الغربية (University of the Western Cape)، ومؤسس "راف كات لاب أفريقيا"، وهو مختبر المونتاج الوحيد في القارة المخصص لتطوير القصص الوثائقية الأفريقية.