المقعد الصحيح
قراءة ذاتية لفيلم ”فيلم فلسطين 36“ من إخراج آن ماري جاسر
بقلم داليا الفغّال
قراءة ذاتية لفيلم ”فيلم فلسطين 36“ من إخراج آن ماري جاسر
بقلم داليا الفغّال
لم أستلم بعد بطاقة المرور الخاصة بي لحضور الفيلم. أصل مهرولة بعد أن انتظرت أصدقائي ليمرّوا بي، وهو ما تسبب في تأخري عن الموعد الذي كنت أطمح للوصول فيه إلى المكان. أدخل قاعة العرض محاولةً العثور على مقعدي وسط هذا الصخب والزحام في يوم افتتاح مهرجان الفيلم العربي برلين .
سأشاهد فيلم فلسطين 36 للمخرجة آن ماري جاسر. سمعت الكثير عنه، وعن تجارب مشاهدة متباينة تركت داخلي انطباعات مختلفة. ها قد وجدت مقعدي أخيرًا.
قبل بدء الفيلم بدقائق، تأتي امرأة ألمانية وتقول ببرود:
«هذا مقعدي، من فضلكِ تحرّكي».
أنظر حولي؛ ثلاثة مقاعد لا تزال شاغرة بجوارنا رغم أن الجميع أوشك على الجلوس. أجيبها:
«لكن هذا مقعدي أيضًا».
ترمقني بنظرة غاضبة، ثم تنصرف قائلة:
«سأذهب إلى المسؤول حالًا».
لا نقاش ولا محاولة للفهم، فقط ذلك البرود المشوب بالاستعلاء.
بعد دقائق، يأتي رجل ضخم البنية. لا يعرّف بنفسه، لكنه يتحدث بنبرة حازمة تشبه نبرة شرطي أو شخص يعتقد أن سلطته مطلقة. يطلب مني بصيغة آمرة أن أريه بطاقتي. أسأله من يكون فلا يجيب. يعيد طلبه بحدة أكبر بينما أصرّ أنا على معرفة صفته أولًا. أخيرًا، يقول إنه يعمل في قاعة العرض.
أريه تذكرتي، فيخبرني أن هذا ليس مقعدي وأن مقعدي في الأعلى. كان الفيلم على وشك البدء ومع ذلك أصرّ على أن أغادر مكاني. أشير إلى المقعد الفارغ المجاور، فيرفض أن أجلس فيه أيضًا. وفي النهاية أصرّ أنا على الانتقال إلى المقعد المجاور. تجلس المرأة الألمانية وتنظر إليّ بنظرة تشفٍّ غريبة، لا تتناسب مع تفاهة الموقف، ثم تدير وجهها. يبدأ الفيلم.
مروج خضراء وتلال. بيوت طينية قديمة، وأزياء فلسطينية قروية. ضفائر، وسمار، وشمس، وابتسامات ينتزعها العنف قسرًا. تاريخ سمعت عنه كثيرًا، لكنني كلما التقيت فلسطينيين من الداخل أو الضفة أو غزة، اكتشفت طبقة جديدة منه.
أحاول أن أتجاهل ما أشعر به، وأن أركّز على الفيلم.
أستغرب ردّ فعل يوسف حين اختطف الجنود البريطانيون أخاه، وربطوه بمقدّمة العربة العسكرية ومضوا به. رجال القرية متخاذلون، والنساء يصرخن ويرشقن الجنود بالحجارة، بينما لا يتحرّك في الرجال ساكن.
لكن جسدي يعود فجأة إلى القاعة، إلى المقعد الذي أجلس عليه، وإلى ذلك الإحساس العنيف بالقهر. إلى صراخ الرجل الألماني في وجهي، وإلى تلك المرأة التي بدا كأنها تشعر بانتصار صغير وهي تشاهدني أُعنَّف لفظيًا، فقط لأنها لم تحتمل احتمال أن تكون مخطئة، أو حتى فكرة الحوار، فلجأت مباشرةً إلى «شرطي» المكان.
أعود إلى الشاشة من جديد.أحاول الاقتراب من الشخصيات، لكن الفيلم يبقيها على مسافة. لا يتيح لها أن تتنفس خارج وظيفتها السردية، ولا يمنحها ما يكفي من التعقيد لأراها أكثر من شواهد على المأساة. يبدو الفيلم في كثير من لحظاته كاستعراض فجّ للقهر الفلسطيني على يد الاحتلال بأشكاله المختلفة. وحتى خيبة الأمل والتخاذل والخوف، وهي جميعها مكونات متوقعة في سياق ظالم كهذا وقد قُدّمت بسطحية مربكة.
كيف خان القسّ القرية؟ كيف صار كبيرها بائعًا لها؟ كيف سلّم السلاح بهذه السهولة؟ لماذا لم يراوغ؟ لماذا بدا الجميع وكأنهم يتحركون داخل إناء مغلق، لا مقاومة حقيقية فيه إلا بوصفها مأساة مؤجلة؟
ولماذا تبقى الفجيعة هي الأساس الذي تُصوَّر من خلاله قصة الفلسطيني؟ لا يقول الفيلم صراحة إن المقاومة بدأت عام ١٩٣٦، لكنه يضع تلك اللحظة في مركز الحكاية على نحو قد يوحي بأنها نقطة البداية، متجاوزًا تاريخًا أطول وأكثر تشابكًا من أشكال المقاومة والتنظيم السياسي والاجتماعي الفلسطيني. تاريخ شهد أيضًا مكتسبات ومراحل قوة وتشابكات اجتماعية وسياسية تتجاوز مجرد إلقاء اللوم الكامل على الإقطاعيين أو الخونة.
كيف يصبح القهر جزءًا عضويًا من تجربتنا، سواء كنا فلسطينيين/ات أو مصريين/ات، أبناء وبنات هذه المنطقة المستنزفة، المحتلة خارجيًا وداخليًا؟
هناك دائمًا طبقات أعمق للحكاية. لكن السينما، أحيانًا، تُحب الألم حين يكون واضحًا قابلًا للاستهلاك وسهل التصدير.
وهذا يعيدني إلى جملة ما زلت أتذكرها من ورشة لصناعة الأفلام حضرتها عام 2013 مع المخرج الإثيوبي هايلي جريما. قال يومها، فيما معناه، إنه لا يحب السينما، رغم شغفه بتفاصيلها ورغم كونه مخرجًا، لأنها قد تكون سلاحًا مدمرًا. أفهم تلك الجملة أكثر الآن.
تذكرت تلك الجملة، بكل ما تحمله من التباس، وأنا أجلس في القاعة، لأجد نفسي أُدفَع من جديد إلى الحالة نفسها من القهر والعجز التي أعيشها منذ بدء الإبادة. كأن الفيلم، بدل أن يفتح نافذة للفهم، أو للتعقيد، أو حتى لغضبٍ حي، يعيد إنتاج الإحساس ذاته بالاختناق والعجز، لكن هذه المرة داخل قالب بصري متقن ومموَّل بسخاء.
وربما لهذا لم أستطع التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد سوء تفاهم عابر. فمنذ شهور طويلة، يعيش كثيرون من العاملين في المجال الثقافي في ألمانيا داخل مناخ تُعاد فيه صياغة حدود المقبول والمرفوض في الحديث عن فلسطين، عبر قرارات إلغاء واتهامات وضغوط مؤسسية متكررة. لذلك بدا لي ذلك الموقف الصغير في القاعة أكبر من مجرد خلاف على مقعد.
وهنا تصبح النوايا الحسنة وحدها غير كافية. فالجحيم أحيانًا يكون معبّدًا بالنوايا الحسنة، وبأزمات الإنتاج، أو حساسيات المؤسسات الثقافية، أو الخطوط غير المعلنة التي يفرضها السياق السياسي على ما يمكن قوله، وكيف يمكن قوله، ومتى يصبح الألم مقبولًا ما دام بقي داخل الشكل المسموح به.
وفي النهاية، خرجت من القاعة وأنا لا أعرف أيهما كان أكثر حضورًا: الفيلم، أم الطريقة التي طُلب مني بها أن أشاهد العالم من مقعدي الصحيح. وربما لهذا بدت لي القاعة امتدادًا للفيلم، لا مكانًا لعرضه. كأن المطلوب لم يكن فقط أن أغيّر مقعدي، بل أن أتعلم مكاني داخل المشهد كله.
سأشاهد فيلم فلسطين 36 للمخرجة آن ماري جاسر. سمعت الكثير عنه، وعن تجارب مشاهدة متباينة تركت داخلي انطباعات مختلفة. ها قد وجدت مقعدي أخيرًا.
قبل بدء الفيلم بدقائق، تأتي امرأة ألمانية وتقول ببرود:
«هذا مقعدي، من فضلكِ تحرّكي».
أنظر حولي؛ ثلاثة مقاعد لا تزال شاغرة بجوارنا رغم أن الجميع أوشك على الجلوس. أجيبها:
«لكن هذا مقعدي أيضًا».
ترمقني بنظرة غاضبة، ثم تنصرف قائلة:
«سأذهب إلى المسؤول حالًا».
لا نقاش ولا محاولة للفهم، فقط ذلك البرود المشوب بالاستعلاء.
بعد دقائق، يأتي رجل ضخم البنية. لا يعرّف بنفسه، لكنه يتحدث بنبرة حازمة تشبه نبرة شرطي أو شخص يعتقد أن سلطته مطلقة. يطلب مني بصيغة آمرة أن أريه بطاقتي. أسأله من يكون فلا يجيب. يعيد طلبه بحدة أكبر بينما أصرّ أنا على معرفة صفته أولًا. أخيرًا، يقول إنه يعمل في قاعة العرض.
أريه تذكرتي، فيخبرني أن هذا ليس مقعدي وأن مقعدي في الأعلى. كان الفيلم على وشك البدء ومع ذلك أصرّ على أن أغادر مكاني. أشير إلى المقعد الفارغ المجاور، فيرفض أن أجلس فيه أيضًا. وفي النهاية أصرّ أنا على الانتقال إلى المقعد المجاور. تجلس المرأة الألمانية وتنظر إليّ بنظرة تشفٍّ غريبة، لا تتناسب مع تفاهة الموقف، ثم تدير وجهها. يبدأ الفيلم.
مروج خضراء وتلال. بيوت طينية قديمة، وأزياء فلسطينية قروية. ضفائر، وسمار، وشمس، وابتسامات ينتزعها العنف قسرًا. تاريخ سمعت عنه كثيرًا، لكنني كلما التقيت فلسطينيين من الداخل أو الضفة أو غزة، اكتشفت طبقة جديدة منه.
أحاول أن أتجاهل ما أشعر به، وأن أركّز على الفيلم.
أستغرب ردّ فعل يوسف حين اختطف الجنود البريطانيون أخاه، وربطوه بمقدّمة العربة العسكرية ومضوا به. رجال القرية متخاذلون، والنساء يصرخن ويرشقن الجنود بالحجارة، بينما لا يتحرّك في الرجال ساكن.
لكن جسدي يعود فجأة إلى القاعة، إلى المقعد الذي أجلس عليه، وإلى ذلك الإحساس العنيف بالقهر. إلى صراخ الرجل الألماني في وجهي، وإلى تلك المرأة التي بدا كأنها تشعر بانتصار صغير وهي تشاهدني أُعنَّف لفظيًا، فقط لأنها لم تحتمل احتمال أن تكون مخطئة، أو حتى فكرة الحوار، فلجأت مباشرةً إلى «شرطي» المكان.
أعود إلى الشاشة من جديد.أحاول الاقتراب من الشخصيات، لكن الفيلم يبقيها على مسافة. لا يتيح لها أن تتنفس خارج وظيفتها السردية، ولا يمنحها ما يكفي من التعقيد لأراها أكثر من شواهد على المأساة. يبدو الفيلم في كثير من لحظاته كاستعراض فجّ للقهر الفلسطيني على يد الاحتلال بأشكاله المختلفة. وحتى خيبة الأمل والتخاذل والخوف، وهي جميعها مكونات متوقعة في سياق ظالم كهذا وقد قُدّمت بسطحية مربكة.
كيف خان القسّ القرية؟ كيف صار كبيرها بائعًا لها؟ كيف سلّم السلاح بهذه السهولة؟ لماذا لم يراوغ؟ لماذا بدا الجميع وكأنهم يتحركون داخل إناء مغلق، لا مقاومة حقيقية فيه إلا بوصفها مأساة مؤجلة؟
ولماذا تبقى الفجيعة هي الأساس الذي تُصوَّر من خلاله قصة الفلسطيني؟ لا يقول الفيلم صراحة إن المقاومة بدأت عام ١٩٣٦، لكنه يضع تلك اللحظة في مركز الحكاية على نحو قد يوحي بأنها نقطة البداية، متجاوزًا تاريخًا أطول وأكثر تشابكًا من أشكال المقاومة والتنظيم السياسي والاجتماعي الفلسطيني. تاريخ شهد أيضًا مكتسبات ومراحل قوة وتشابكات اجتماعية وسياسية تتجاوز مجرد إلقاء اللوم الكامل على الإقطاعيين أو الخونة.
كيف يصبح القهر جزءًا عضويًا من تجربتنا، سواء كنا فلسطينيين/ات أو مصريين/ات، أبناء وبنات هذه المنطقة المستنزفة، المحتلة خارجيًا وداخليًا؟
هناك دائمًا طبقات أعمق للحكاية. لكن السينما، أحيانًا، تُحب الألم حين يكون واضحًا قابلًا للاستهلاك وسهل التصدير.
وهذا يعيدني إلى جملة ما زلت أتذكرها من ورشة لصناعة الأفلام حضرتها عام 2013 مع المخرج الإثيوبي هايلي جريما. قال يومها، فيما معناه، إنه لا يحب السينما، رغم شغفه بتفاصيلها ورغم كونه مخرجًا، لأنها قد تكون سلاحًا مدمرًا. أفهم تلك الجملة أكثر الآن.
تذكرت تلك الجملة، بكل ما تحمله من التباس، وأنا أجلس في القاعة، لأجد نفسي أُدفَع من جديد إلى الحالة نفسها من القهر والعجز التي أعيشها منذ بدء الإبادة. كأن الفيلم، بدل أن يفتح نافذة للفهم، أو للتعقيد، أو حتى لغضبٍ حي، يعيد إنتاج الإحساس ذاته بالاختناق والعجز، لكن هذه المرة داخل قالب بصري متقن ومموَّل بسخاء.
وربما لهذا لم أستطع التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد سوء تفاهم عابر. فمنذ شهور طويلة، يعيش كثيرون من العاملين في المجال الثقافي في ألمانيا داخل مناخ تُعاد فيه صياغة حدود المقبول والمرفوض في الحديث عن فلسطين، عبر قرارات إلغاء واتهامات وضغوط مؤسسية متكررة. لذلك بدا لي ذلك الموقف الصغير في القاعة أكبر من مجرد خلاف على مقعد.
وهنا تصبح النوايا الحسنة وحدها غير كافية. فالجحيم أحيانًا يكون معبّدًا بالنوايا الحسنة، وبأزمات الإنتاج، أو حساسيات المؤسسات الثقافية، أو الخطوط غير المعلنة التي يفرضها السياق السياسي على ما يمكن قوله، وكيف يمكن قوله، ومتى يصبح الألم مقبولًا ما دام بقي داخل الشكل المسموح به.
وفي النهاية، خرجت من القاعة وأنا لا أعرف أيهما كان أكثر حضورًا: الفيلم، أم الطريقة التي طُلب مني بها أن أشاهد العالم من مقعدي الصحيح. وربما لهذا بدت لي القاعة امتدادًا للفيلم، لا مكانًا لعرضه. كأن المطلوب لم يكن فقط أن أغيّر مقعدي، بل أن أتعلم مكاني داخل المشهد كله.
داليا الفغّال
داليا الفغّال ناشطة حقوقية، كاتبة وباحثة ومتخصصة في تطوير المنتجات الرقمية، تهتم كتاباتها بالسينما والذاكرة والهوية والهجرة والسرديات التي يصنعها البشر عن أنفسهم وعن الآخرين. تتناول السينما بوصفها فنًا ومساحةً لفهم علاقات القوة والانتماء والتجربة الإنسانية، وتجمع في نصوصها بين التأمل الشخصي والطرح السياسي والفلسفي. يتركز اهتمامها على قضايا التمثيل والسرد والعلاقة بين الصورة والذاكرة.