١   ٢   ٣   ٤   ٥   ٦
السينما كمختبر للذات

كتابات على هامش الدورة ١٧ من مهرجان الفيلم العربي برلين
حسام فهمي / اسكندر عبد الله / عبد الرحمن القلق



منذ انطلاقه في عام ٢٠٠٩، سعى مهرجان الفيلم العربي برلين إلى الترويج لفنون السينما العربية والتعريف بتاريخها، أعلامها، موضوعاتها وأساليبها الفنية في صورة تكسر من جانب التصورات النمطية المختزلة عن المجتمعات العربية وقضاياها عند المتلقي/ة الأوروبي/ة، وتفتح سبلًا ثقافية أوسع أفقًا للتلاقي والحوار، ومن جانب آخر توثق ارتباط المتلقي/ة العربي/ة في الشتات بإرثه/ها الثقافي وما يتجلى منه في الإنتاج السينمائي المعاصر كأداة لإثارة وتقوية الوعي بتعقيدات الهوية العربية وطرائق تمثلها والتعبير عنها.

نجح المهرجان مع تعاقب دوراته في أن يصبح معلمًا رئيسيًا من معالم الثقافة العربية في برلين، فارضًا حضوره المميز بمدينة صارت هي نفسها، وبالتوازي مع موجات الانتفاضات الشعبية بشمال أفريقيا وغرب آسيا، ميدانًا لتحولات ديموغرافية ومجتمعية كبيرة، وملتقى لمشاهد مختلفة للشتات العربي، تتباين في مصائرها، تجاربها، خلفياتها السياسية والاجتماعية، بينما تتقاطع مساعيها في احتواء مشاعر الفقد والاغتراب، في مواجهة محاولات التهميش والإقصاء، وفي إعادة صياغة هويتها، ومفاهيمها عن البيت، المكان والتاريخ، في ظل تنامٍ مستمر للنزعات والممارسات العنصرية، والتحديات الهيكلية التي يواجهها المهاجرون/ات العرب على الأخص.

كيف يمكن للمهرجان التجاوب مع تلك المعطيات الجديدة؟ كيف يمكنه التفاعل مع جمهوره العربي المتنامي في الشتات، مع آماله، آلامه، أزماته وتطلعاته؟ وكيف يبقى في الوقت نفسه جسرًا لنبض الشعوب والأوطان التي يحتفى بفنونها وينحاز لقضاياها؟

انطلاقًا من هذه التساؤلات، أصبح من الضروري تجاوز فكرة العروض السينمائية، أو بالأحرى توسيع فضاء تأثيرها من خلال نشاط تكميلي وتشاركي، تتسع معه رقعة فاعلية الجمهور خارج نطاق فكرة المشاهدة السلبية للنص السينمائي. ومن هنا جاءت فكرة ورشة السينما كمختبر للذات التي خرج هذا الملف نتاجًا لنسختها التجريبية الأولى.

بمشاركة مجموعة من محبي ومحبات السينما من مجتمعات الشتات العربي في ألمانيا، هدفت الورشة أولًا إلى تعريفهم/ن بأصول المشاهدة التحليلية للأفلام، والتعرّف على جماليات السرد وأدوات خلق المعنى في السينما العربية، وثانيًا إلى استكشاف ممكنات المشاهدة السينمائية ثم الكتابة عنها كأداة لتمكين الذات، والتعبير عمّا يختلجها، وممارسة الخيال بصورة تدفع إلى التحرر، وتحث على الخلق، وتمكننا من مقاومة المعايير والآليات السلطوية.

لم تقتصر تجربة المجموعة على مشاركة قاعات العرض على مدار الأيام السبعة للمهرجان، بل امتدت إلى أحاديث خاطفة وأخرى طويلة؛ تداخلت فيها الانطباعات الأولى عن الأفلام مع أسئلة حول الذاكرة، الشخصية أو الجمعية، والمنفى والهوية. وبعد إسدال الستار على آخر فعاليات المهرجان، التقينا مجددًا في ورشة مكثفة على مدار يومين، استضافها مكتب شبكة الشاشات العربية البديلة "ناس" في برلين، شريك المهرجان التنظيمي في تنفيذ الورشة.

خُصص اليوم الأول لتقديم مدخل إلى تحليل الأفلام، انطلاقًا من نماذج مختارة من أرشيف السينما المصرية، حيث تعرّفت المجموعة إلى بعض الأدوات الأساسية لقراءة المشهد، وبناء السرد، والعلاقة بين الشكل والمعنى، وكيف يمكن للفيلم أن يُقرأ بوصفه نصًا بصريًا متعدد الطبقات. أما اليوم الثاني، فانصرف إلى سؤال أكثر ذاتية: كيف يمكن للفيلم أن يصبح مرآة نرى فيها أنفسنا؟ دار الحوار حول الكتابة الذاتية في علاقتها بالتجربة الفنية، وكيف تفتح مشاهدة الأفلام أبوابًا للعودة إلى الأسئلة الشخصية، واستعادة الذاكرة، وتأمل التجارب التي قد تبقى صامتة لولا أن استدعتها صورة أو مشهد أو جملة عابرة. ومن هذا المنطلق، بدأت المجموعة بالتقاط الخيوط الأولى لأفكارها، ومحاولة تدوينها خلال الورشة، قبل أن يواصل كل مشارك ومشاركة العمل بشكل فردي على تحويل تلك الأفكار الأولية إلى نصوص شخصية.

نشارك اليوم بعضًا من هذه النصوص؛ وهي لا تدّعي أن تكون قراءات نقدية أكاديمية للأفلام، بقدر ما تسعى إلى التقاط تلك اللحظات أمام النوافذ الصغيرة التي تفتحها السينما أمام تجاربنا الخاصة، وكيف تتحول المشاهدة إلى مناسبة للتذكر، وإعادة النظر، وابتكار لغة جديدة للحديث عن الذات. بل وتبيّن لنا هذه المدوّنات الشخصية، كيف تتحول المشاهدة السينمائية من فعلٍ قائم على التلقي إلى تجربة يصبح فيها المشاهد/ة فاعلًا/ةً في إنتاج المعنى؛ فلا يستدعي الماضي بوصفه حكايةً تُروى فحسب، بل تعيد المشاهدة عيشه وتأويله، بما يحمله من انكسارات، وانتصارات، وأسئلةٍ لم تجد إجاباتها بعد.

في نصه "ماذا لو كانت الرائحة آخر طريق للحب؟"، ينطلق صافي من مشاهدته لفيلم كولونيا للمخرج محمد صيام، ليتأمل العلاقة بين الصورة والذاكرة، وكيف تستطيع السينما أن تتجاوز حدود البصر لتمنحنا كثافةً حسية عالية. يكتب صافي عن الكيفية التي يمكن بها لمشهدٍ أن يصبح رائحة، وللرائحة أن تتحول إلى لغة نتعلّم من خلالها الحبّ والخوف معًا. وإلى لغةٍ تستدعي البيوت الأولى، وتفتح أبوابها الموصدة أمام الآباء، والحروب الشخصية الصغيرة، وكل ما حسبنا أننا تركناه في الماضي.

بعد مشاهدة فيلم "شكرًا لأنك تحلم معنا" للمخرجة ليلى عبّاس، تعنون هبة عبيد نصّها بجملة استفهامية غائبة بقدر ما يبدو طرحها حاجة ضرورية: "هل هذه هي فلسطين؟". في مدوّنتها تحوّل هبة مشاهدة الفيلم إلى مساحة لاكتشاف وطنٍ لا نعرفه إلا حين نراه يعيش داخل مشهدية الحياة اليومية. فتعيد هبة مساءلة فكرتنا عن فلسطين؛ لا بوصفها رمزًا سياسيًا مجردًا، بل مكانًا مأهولًا بالقصص العائلية العادية، واللهجات، والأسئلة الصغيرة. وهي بذلك تستعيد حقّها بتلك "العادية" التي بدا وكأنها اختفت من حياة الفلسطينيين/ات داخل الأعمال السينمائية الفلسطينية، لصالح السرديات الكبرى المرتبطة بالاحتلال، والمجازر، والنكبات المتتالية التي احتلّت جزءًا واسعًا من الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

كل نص، وفي حالتنا هنا كل فيلم، يعاد تأويله هنا والآن، وفقاً للوضع السياسي، لحالة الطقس، لحالتك النفسية ومزاجك خلال المشاهدة، حتى مكان المقعد الذي تجلس فيه داخل السينما، كل هذا يؤثر على قراءتك للفيلم، هذه ما تحدثنا عنه خلال مناقشاتنا مع المشاركين والمشاركات، ويبدو أنه ترك فيهم/ن أثرا عميقا.

في مقالها "المقعد الصحيح" تبدأ داليا الفغال من سوء فهم نتيجة جلوسها في مقعد خاطئ داخل السينما أثناء عرض الفيلم الافتتاحي لمهرجان هذا العام "فلسطين ٣٦" وتتخذ داليا من خلافها على الكرسي مع سيدة أخرى نقطة بداية تترجم من خلالها الفيلم برمته، وظروف مشاهدته داخل ألمانيا التي يتعرض فيها العاملين والعاملات في المجال الثقافي والفني لقيود مختلفة في سياق الحديث عن فلسطين.

مقعد آخر كان حاضرا في مقال دينا الزنيني التي كتبت "ملاحظات في الظلام" عن تفاصيل صغيرة أثناء مشاهداتها لأفلام المهرجان حفزتها للتفكير في أشياء كبيرة، هويتها، لغتها الأم، والوعي المفرط بالذات والخوف من الأحكام المسبقة.

تكتب دينا هنا عن قلقها الزائد بأن مرفقها يحتل مساحة أكبر مما ينبغي له على مسند المقعد المجاور لها، وكيف قادها هذا للتفكير عموما في مساحات النساء في الأماكن العامة داخل عالمنا العربي، ومساحتها هي كمهاجرة داخل ألمانيا، كذلك المساحة التي تشغلها لغتين أجنبيتين داخل عقلها وكيف جعلها هذا تعاني لتعبر عما بداخلها بلغتها الأم.

اللغة كانت كذلك موضع للنقاش خلال هذه الورشة، كيف نعبر عن أنفسنا؟، بالفصحى أم بالعامية وبلهجات مختلفة، نكتب مقالا مكون من فقرات، أم نكتب ملاحظات بشكل أقرب للشعر كما فعل "عامر وردة" في نصه "من أكل القمح".

يكتب عامر عن صور مختلفة بقت في ذهنه بعد مشاهدة أفلام المهرجان، وكيف يربط هذه الصور خيط ربما غير مرئي بين عامي 1936 و 2026. يحكي عامر كذلك عن صوت طائرة فاق عليه منذ سنين ولازال يسمعه حتى اليوم.

هذه المحاولات لتفكيك ما نشاهده وإعادة تركيبه وفقا لتاريخنا، حاضرنا، وذواتنا، هي هدف هذه الورشة، وهذه الدورة الأولى هي خطوة على هذا الطريق، طريق نؤمن من خلاله أن السينما ملك لمشاهديها  وميدان للتأمل في ذواتهم/ن وعلاقتهم/ن بالعالم حولهم/ن.
اسكندر عبدالله
اسكندر عبدالله باحث وقيّم ومعلم، وُلد في الإسكندرية بمصر. نشر العديد من المقالات حول موضوعات تشمل العلمانية والجنسانية، والسينما والذاكرة، وممارسات المشاهدة الكويرية في السينما العربية. كما يشغل منصب المدير الفني لمهرجان الفيلم العربي برلين.

حسام فهمي حسام فهمي ناقد سينمائي وكاتب وطبيب نفسي. تستكشف كتاباته الأبعاد النفسية للأفلام، وتجمع بين النقد الثقافي وتحليل الشخصيات. شغل منصب عضو لجنة تحكيم «فيبريسكي» في مهرجان برلين السينمائي لعام 2023 ومهرجان كان السينمائي لعام 2025، وتم اختياره مؤخرًا كأحد المصوتين الدوليين لجوائز «غولدن غلوب». هو أيضًا من قيّمي البرنامج في مهرجان الفيلم العربي برلين.

عبد الرحمن القلق عبد الرحمن القلق هو شاعر وكاتب وفنان أدائي فلسطيني، من مواليد مخيم اليرموك. صدر له بالعربية مجموعة شعرية بعنوان «٢٤» عن دار هُنّ في القاهرة 2022. كتابه الأول باللغة الألمانية، «Übergangsritus» (قصائد ونثر)، نشرته دار «فالشتاين» في عام 2024، وحصل على منحة «شاميسو» للنشر من مؤسسة «فريدريش باور». وقد أُدرج هذا الكتاب في قائمة التوصيات الشعرية لعام 2025 الصادرة عن الأكاديمية الألمانية للغة والأدب.



Copyright ©