عمر إذثنين
هذا الشغف الشخصي تحوّل لاحقاً إلى اهتمام أكاديمي، حين انتقلت إلى الرباط سنة ٢٠٠٥ والْتَحقت بالجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، وأصدرت كتاباً حول الفيلم الأمازيغي سنة ٢٠٠٦. لكن ذلك الكتاب، الذي كان أشبه بجرد أوّلي لتجربة سينمائية ناشئة، لم يطفئ فضولي، بل زادني إلحاحاً على أسئلة كبرى: لماذا تظلّ هذه الأفلام خارج دائرة الاهتمام الأكاديمي والمؤسِّسي؟ ولماذا نعرف كل التفاصيل عن أفلام الدارجة المغربية، بينما تبقى الأفلام الأمازيغية في ظلّ كثيف من النسيان؟ كيف يمكننا كتابة تاريخ سينما جعلتها المؤسّسات الرسمية غير مرئية، بينما لا تزال آثارها الباقية متمثّلة في غالبيتها في الذكريات والأرشيفات الشخصية؟ إنّها أسئلة تتجاوز مجرّد التوثيق، لتصبح سؤالاً حول طبيعة التاريخ نفسه: من يكتبه؟ وبأي أدوات؟ ولمن يُكتب؟
هذا السؤال هو ما دفعني إلى تتبّع تدوينات الممثّل سعيد شهب خلال شهر رمضان ٢٠٢٦، حيث نشر ثماني عشر منشوراً يستعرض فيها ذكريات تصوير فيلم «تامغارت وورغ» (إمرأة من ذهب، ١٩٩١)، الذي يُعدّ أوّل فيلم أمازيغي في المغرب، والذي لعب فيه دور ’أزنزار‘. كما اشتغل فيه أيضاً كـ«سكريبت» احتفظ بذاكرة حيّة وأرشيف شخصي ثمين لهذه التجربة التي لم تحظَ بالتوثيق الرسمي الكافي. هذه التدوينات إذاً لا تصدر عن مؤرّخ محترِف، ولا عن باحث أكاديمي، بل عن ممثّل قرّر، بدافع شخصي، أن يحكي قصّته وقصّة زملائه، وأن يضع بين يديّ الجمهور صوراً ووثائق ظلّت لعقود حبيسة أدراجه.
غير أنّ هذه التدوينات، بقيمتها الكبيرة، تطرح إشكاليات منهجية تستحقّ التأمّل، تذكّرنا بأنّ كتابة تاريخ هذه السينما ليست مجرّد عملية جمع معطيات، بل هي بناء سردي يتطلّب وعياً منهجياً ونقدياً بطبيعة المصادر المتاحة، و حدودها، و بالسياقات التي أنتجتها. من هنا، فإنّ هذه المقالة تسعى إلى القيام بأكثر من مجرّد عرض لتدوينات سعيد شهب؛ إنها محاولة لقراءتها كوثائق تاريخية، ولتفكيك الإشكاليات التي تطرحها، وتأطيرها في سياق أوسع يتعلّق بوضعية الثقافة واللغة الأمازيغية في المغرب، وبعلاقة السينما بالذاكرة والهويّة والسلطة.
صُوِّر فيلم «تامغارت وورغ» في نهاية الثمانينيات، في ماضٍ ليس بعيد، وحكايته ما زالت حيّة في ذاكرة من شاهدوه، وفي أرشيف من أخرجوه ومثّلوه. والفيلم يحكي قصة ’تليلا‘، إمرأة قوية تُلقّب بـ’إمرأة من ذهب‘، تجد نفسها في قلب صراع بين عائلتين، يبدو في الظاهر صراعاً اجتماعياً تقليدياً، لكنّه سرعان ما يكشف عن أبعاد أعمق حول الصراع بين العلم والجهل، وبين التمسّك بالتقاليد والانفتاح على العالم، وحول التعلّق بالأرض، ومقاومة استغلالها في المشاريع الاستخراجيّة والزراعية الكبرى. فتواجِه تليلا مؤامرات ودسائس تحاك للإيقاع بها وبزوجها ’إدر‘ الذي قد هاجر دونها إلى فرنسا، بينما تحاول بكلّ قواها الصمود والدفاع عن سمعتها في مواجهة ليس فقط خصومها، بل أيضاً مجتمعاً يحكم على المرأة بمعايير صارمة. ويقوم أزنزار، وهو صديق إدر، بمساعدتها ضدّ جماعة شيخ الدوّار ومن يدور في فلكه، من أجل إخراجها من شرنقة الإتّهامات في عِرضها ووفائها لزوجها في غيابه. إنها حكاية تمرّ عبر مسارات عدة - مسار اجتماعي يرصد تحوّلات المجتمع القروي في مواجهة الحداثة، ومسار نفسي يتتبّع معاناة امرأة تكافح من أجل كرامتها، ومسار سياسي يطرح أسئلة حول السلطة والهويّة والإنتماء.
ويبقى أنّ هذه الحكاية الغنية، التي نالت إعجاب جماهير واسعة وانتشرت عبر الأشرطة في المغرب وخارجه، لم تُوثَّق كما يجب على المستوى المؤسّسي، ولا نجد لها أثراً في أرشيفات المركز السينمائي المغربي، ولا في الدراسات الأكاديمية التي تناولت السينما المغربية. فبينما نعرف، على سبيل المثال، أدقّ التفاصيل عن أفلام المخرجين المغاربة الناطقين بالدارجة، وعن مسارات إنتاجها وتوزيعها واستقبالها، تظلّ حكاية «تامغارت وورغ» وأمثالها من الأفلام الأمازيغية حبيسة الذاكرة الشفوية، ومنصّات التواصل الاجتماعي، وأشرطة الـفِي إتش إس «VHS» المتآكلة. وكأنّ هذه الأفلام تعيش مصيراً مزدوجاً: فهي حاضرة بقوّة في وجدان جمهورها، وغائبة تماماً عن السجلّات الرسمية.
في منشوراته، يقوم سعيد شهب بعمل يتجاوز مجرّد التذكّر، فهو يؤرّخ، ويوازن بين التواريخ، ويروي تفاصيل دقيقة عن كواليس التصوير، وعن الأدوار التي تغيّرت في اللحظة الأخيرة، وعن مشاركة مغنّيين وموسيقيين معروفين مثل عازف الإيقاع الراحل لحسن بوفرتل. كما يوثّق المسار المسرحي لفرقة «تيفاوين» التي خرّجت العديد من ممثّلي الفيلم، ويسجّل دور أحمد بادوج المخرج المسرحي والسينمائي في خلق مشروع ثقافي نضالي أدخل الأمازيغية إلى المسرح الحديث، ومن ثمّ السينما. وبفضل تفاعل القرّاء، تحوّلت هذه المنشورات من مجرّد سرد فردي إلى فضاء جماعي للتداول المعرفي، حيث أضاف متابعوه معلومات جديدة، وصحّحوا بعض الوقائع، وقدّموا شهادات إضافية عن الفيلم وعن سياق إنتاجه. بعض التعليقات أشارت إلى أسماء ممثّلين لم يذكرهم شهب، وأخرى أوردت تواريخ دقيقة للتصوير أو للعرض الأوّل، وثالثة قدّمت تفاصيل عن مسار توزيع الفيلم في مدن وقرى لم يتطرّق إليها نصّ المدوّنات الأصلي. هذا التفاعل الغنيّ جعل من صفحة شهب أشبه بمنصّة مفتوحة لبناء ذاكرة جماعية حول الفيلم، حيث يتقاطع سرد الممثّل الرئيسي مع شهادات الجمهور، وتتضافر جهود متفرّقة لسدّ ثغرات النسيان.
هذا العمل التوثيقي، الذي يقوم به ممثّل لم يمارس الإحترافية السينمائية إلّا في هذا الفيلم الوحيد، ويشارك في تحريره جمهور غير متخصّص، يطرح إشكاليات أساسية. قد تكتسب تدوينات شهب قيمتها من كونها شهادة حيّة لشاهد عيان، لكنّها ترتكز على ذاكرة شخصية قد تخونها التفاصيل، أو تتأثّر بوجهات نظر ذاتية، فهي تظلّ بحاجة إلى تدقيق ومقارنة بمصادر أخرى. والتعليقات، رغم قيمتها المعرفية والمقارنيّة، تطرح إشكاليّات منهجية بدورها، إذ أنّها مصادر رقمية مفتوحة، تظلّ عرضة للخطأ والتحريف، بل وأحياناً للتوظيف الأيديولوجي أو الذاتي. فالتعليق، في سياق منصّات التواصل الإجتماعي، ليس شهادة تاريخية بالمعنى الأكاديمي للكلمة؛ إنه تدخّل آني، يخضع لانفعالات اللحظة، ولرغبة المشاركة. كما أنّه يفتقر إلى أيّ شكل من أشكال التدقيق أو المراجعة، ممّا يجعله قابلاً للتضخيم أو الاختزال أو حتّى الاختلاق.
في الوقت نفسه، التعليقات التي تعتبر في السياق الأكاديمي مصدراً غير موثوق، تصبح في سياق التوثيق الرقمي مصدراً لا غنى عنه، بل قد تكون الوحيد المتاح لسدّ فراغات الأرشيف الرسمي. ففي حالة فيلم «تامغارت وورغ»، مثلاً، ساعدتني التعليقات في الوصول إلى بعض الموزّعين والمشتغلين في الميدان الذين لم يرد ذكرهم في أيّ مصدر آخر، ممّا أتاح لي إجراء مقابلات مباشرة ساعدت في تدقيق المعلومات واستكمال الصورة. كما كشفَت عن تفاصيل دقيقة حول استقبال الفيلم في مناطق مختلفة، وعن تأثيره في الجمهور، وعن التحوّلات التي طرأت على طريقة مشاهدته مع تغيّر الوسائط التقنية. وكأنّ التعليقات تؤدّي وظيفة مزدوجة، فهي من ناحية مصدر للمعلومات، ومن ناحية أخرى وثيقة اجتماعية تعكس علاقة الجمهور بالفيلم، وتصوّراتهم عنه، وتفاعلهم مع قضاياه كالهجرة إلى المدن، وعلاقة السكّان بالسلطة وبرامجها لنزع الأرض، والتحوّلات الإجتماعية المتسارعة، واندثار قيم التضامن والتآزر في المجتمع. فهي تذكير بأن الذاكرة الجماعية لا تُبنى فقط في الأرشيفات والمؤسّسات، بل أيضاً في فضاءات رقمية مفتوحة، يكتبها أناس عاديّون بدافع الحبّ للسينما، والرغبة في الحفاظ على ذكرى فيلم شكّل جزءاً من هويّتهم وذاكرتهم. فهل يمكن لهذه التدوينات والتعليقات أن تُشكّل نواة لأرشيف بديل للفيلم الأمازيغي، يصبح أداة لكتابة تاريخ أكثر ديمقراطية وتعدّدية؟
مع قيمة هذا العمل التوثيقي المُرتجل، يبقى أنّ إيداعه لدى منصّة فايسبوك يضيف على الفيلم طبقة جديدة من الهشاشة، إذ أصبحت ذاكرة أوّل فيلم أمازيغي في المغرب مرهونة بخوارزميات شركة خاصّة، قد تقرّر في أي لحظة حذف المحتوى أو تعطيل الحساب. وإذا كان الفيلم قد صمد عقوداً رغم غياب الدعم المؤسّسي، بفضل المبادرة الفردية وشغف الجمهور، فإن تسليم ذاكرته لمنصّة رقمية خاصّة قد يكون أخطر تهديد يواجهه، لأنّه يضع مصير هذه الذاكرة في يد جهة لا تربطها بالفيلم ولا بجمهوره أيّ علاقة ثقافية أو وجدانية. هذه الهشاشة تذكّرنا بأن التوثيق الرقمي، رغم قيمته، ليس بديلاً عن الأرشفة المؤسّساتية، بل هو حلقة في سلسلة من الهشاشات التي رافقت الفيلم الأمازيغي منذ بداياته. فغياب الأرشيف كان قد سبقه غياب مؤسّسات سينمائية رسمية تدعم إنتاج وتوزيع الفيلم الأمازيغي، فلجأ صنّاع هذا الفيلم إلى شركات إنتاج خاصة، ووزّعوه على أشرطة في إتش إس في محلاّت بيع الأشرطة الموسيقية، بعيداً عن القاعات السينمائية. وكما تشير تدوينات شهب، فإنّ أولى نسخ الفيلم بيعت في فرنسا وبلجيكا قبل المغرب، ثم انتشرت عبر محلّات بيع وكراء الأشرطة الموسيقية وبعض المقاهي التي كانت تعرض الفيلم بمقابل درهم أو درهمين. هذا المسار غير الرسمي للتوزيع جعل الفيلم بعيداً عن الإحصاءات الرسمية، وعن سجلّات المركز السينمائي المغربي. فما حدث للفيلم على مستوى الإنتاج والتوزيع -من هشاشة وغياب دعم- يتكرّر الآن على مستوى التوثيق، وكأنّ الفيلم الأمازيغي محكوم عليه بالبقاء في فضاءات هشّة وغير مستقرّة، سواء كانت أشرطة في إتش إس تتآكل، أو منصّات رقمية قد تختفي، أو ذاكرة بشرية معرّضة للنسيان.
ما تَقدّم ليس مجرّد تفاصيل تقنية عن إنتاج فيلم، بل هو انعكاس لوضعية اللغة والثقافة الأمازيغية في المغرب، ومرآة لعلاقة الدولة بالتنوّع الثقافي واللغوي. فغياب الدعم الرسمي للفيلم الأمازيغي ليس صدفة، ولا يمكن تفسيره بمجرّد نقص في الإمكانيات أو غياب للرؤية الثقافية. إنّه نتيجة أيديولوجيا طويلة الأمد، رَسمت حدود الثقافة المغربية الرسمية ونحتت الهويّة الوطنية في قالب أحادي، واستبعدت الأمازيغية من دائرة الشرعية الثقافية وجعلتها في موقع الهوامش، باعتبارها لغة شفهية، فولكلورية، غير جديرة بالتوثيق والدراسة والإنتاج الرمزي المؤسِّسي.
هذا الموقف الأيديولوجي يفسّر لماذا ظلّ الفيلم الأمازيغي، لعُقود، خارج دائرة الاهتمام المؤسَّسي. فمنذ بداياته، لم يستفد من دعم المركز السينمائي المغربي إلّا في عدد محدود من الحالات، ولم يُعرض في القنوات العمومية قبل سنة ٢٠١٠ سوى عشرات الأفلام، مقابل المئات بالدارجة المغربية. كما أن القاعات السينمائية وموزّعي الأفلام، بمبرّر غياب الجمهور، لم يرغبوا في توزيع الفيلم الأمازيغي، ممّا جعل جمعيات المجتمع المدني وبعض الشركات الخاصّة هي الحاضن الوحيد لهذه التجربة. إن هذا الإقصاء لم يكن مجرّد إهمال سلبي، بل كان سياسة ضمنية، تعكس رغبة الدولة في التحكّم في السردية الوطنية، وإبقاء الأمازيغية في موقع التابع، حيث لا يحقّ لها أن تنتج خطاباً بصرياً مستقلّاً، ولا أن تُشكّل ذاكرة موازية تنافِس الذاكرة الرسمية.
ولكن على الرغم من العائق الذي شكّله هذا الغياب المؤسَّسي، فإنّه أتاح أيضاً هامشاً من الحريّة والإبداع. ففي غياب رقابة الدولة وإملاءاتها، تمكّن صنّاع الفيلم الأمازيغي من الاشتغال في فضاء غير رسمي، سمح لهم بالتعبير عن هويّتهم وثقافتهم بعيداً عن التوجيهات الرسمية، وعن القوالب الجاهزة التي تفرضها مؤسّسات الدولة على الإنتاج الثقافي. هذا الفضاء غير الرسمي منحهم إمكانية تناول قضايا كانت محظورة أو مهمّشة في السينما الرسمية، كالنضال من أجل الحفاظ على التراث وطرق العيش، ومقاومة التمدّن المركزي والهيمنة الثقافية، والتعبير عن هويّة أمازيغية في مواجهة سياسات الأحادية اللغوية والثقافية. فالإهمال الرسمي، الذي كان يفترض أن يقتل هذه السينما، هو ما منحها، في المقابل، قدرة على البقاء والتجدّد، عبر الإلتفاف على المؤسّسات والاشتغال في الفضاءات الموازية.
هذه المفارقة تجعل الفيلم الأمازيغي أقرب إلى التجارب الأفريقية المستقلّة منه إلى التجارب السينمائية المغاربية الأخرى، حيث كانت الدولة حاضرة بقوّة في دعم الإنتاج وتوجيهه. ففي نيجيريا، على سبيل المثال، ولدت صناعة ’نوليوود‘ خارج إطار الدولة، في فضاءات غير رسمية، وبإمكانيات محدودة، لكنها استطاعت أن تنتِج آلاف الأفلام التي تعبّر عن واقع اجتماعي وثقافي بعيد عن خطابات الدولة الرسمية. وكذلك أفلام ’واكاليوود‘ في أوغندا، التي أُنتجت بإمكانيات بسيطة جدّاً، وحقّقت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، رغم غياب أيّ دعم حكومي. هذه التجارب تَشترك مع الفيلم الأمازيغي في سمة أساسية، هي أن غياب الدولة لم يكن مجرّد غياب للدعم، بل كان أيضاً غياباً للرقابة، ممّا أتاح مساحة من الحريّة الإبداعية، وإن كانت هذه الحريّة ثمنها الهشاشة وعدم الاستمرارية.
ففي أفلام مثل «تمارا ن تودرت» (تعب الحياة، ١٩٩٤) و«تكمارت إسمضال» (فرس المقابر، ١٩٩٨) و«إمزواك» (المهاجرون، ١٩٩٥)، نجد مواضيع تتعلق بالهويّة، والذاكرة، والعلاقة مع الأرض، والموروث الثقافي، وهي مواضيع كانت غائبة أو مهمّشة في السينما الرسمية الناطقة بالدارجة. هذه الأفلام لم تكن مجرّد منتجات ترفيهية، بل كانت، في جوهرها، مشاريع ثقافية وسياسية، سعت إلى بناء ذاكرة بديلة، وتقديم رواية مغايرة للرواية الرسمية، وتأكيد حضور الأمازيغية في الفضاء السمعي البصري الوطني، رغم كل محاولات الإقصاء والتهميش. إنها تذكير بأن السينما ليست مجرّد فنّ، بل هي أيضاً ساحة للصراع على المعنى، والهويّة، والذاكرة، وأن الفيلم الأمازيغي، رغم هشاشته المادية، كان ولا يزال فاعلاً في هذا الصراع.
فهل سيظلّ الفيلم الأمازيغي محكوماً بهذه المفارقة بين الهشاشة والحريّة، بين الإهمال الرسمي والإستقلالية الإبداعية؟ أم أنّ هناك إمكانية لتجاوز هذه الثنائية، نحو نموذج جديد يضمن للسينما الأمازيغية مكانتها اللائقة في المشهد الثقافي المغربي، دون أن تفقد روحها المتمرّدة وقدرتها على التعبير عن قضاياها وهويّتها؟
كان فيلم «تامغارت وورغ» وما تلاه من أفلام أمازيغية إنتاجات هاوية بامتياز، ليس لأن صنّاعها افتقروا إلى الموهبة أو الطموح، بل لأنّهم لم يجدوا لأنفسهم مكاناً في منظومة الإنتاج السينمائي الرسمية، فاضطروا إلى ابتكار مساراتهم الخاصّة، خارج الأطر المؤسّساتية، وبإمكانياتهم الذاتية المحدودة. فالممثّلون أتوا من فِرَق مسرحية شعبية، كـ«تيفاوين» و«أيت لمزار»، حيث صقلوا مواهبهم في فضاءات غير رسمية، بعيداً عن معاهد التكوين المسرحي التي كانت غائبة في تلك الفترة. وغالباً ما كان التصوير يتمّ في مواقع طبيعية غير مهيّأة،، والمخرجون كانوا يشتغلون بإمكانيات تقنية بسيطة، معتمدين على الإرتجال والمرونة التي اكتسبوها من تجاربهم المسرحية والميدانية. هذه الهواية، التي كانت نتاجاً لغياب دعم رسمي واحترافي، مَنَحت هذه الأفلام روحاً خاصّة، وجعلتها أقرب إلى الجمهور العريض الذي كان يبحث عن منتَج يعبّر عن ثقافته بلغته، ويتناول قضاياه اليومية، بعيداً عن الصنعة التقنية التي تُميّز الأفلام المُمَوّلة.
لكن الهواية كانت أيضاً مصدر هشاشة بدورها، فغياب التكوين المهني، وعدم توفّر معدّات تقنية مناسبة، وسوء ظروف التصوير، كلّها عوامل جعلت هذه الأفلام تظلّ حبيسة الجودة التقنية المحدودة، ممّا حال دون عرضها في القاعات السينمائية أو مشاركتها في المهرجانات الدولية. كما أن غياب الهيكلة المهنية جعل هذه الأفلام عرضة للنسيان والتلف، فالأشرطة التي صُوِّرت عليها تتآكل مع الزمن، ولا توجد مؤسّسة تحتفظ بنسخ منها، أو تعيد ترميمها، أو تجعلها في متناول الباحثين والدارسين. ومع ذلك، فإن هذه الهواية هي ما جعل الفيلم الأمازيغي يستمرّ رغم كلّ الصعوبات، لأنّه كان نتاج مبادرات فردية وجماعية، تحرّكها العاطفة والإلتزام بالهويّة، وليس المنطق الربحي أو الاعتبارات التجارية البحتة. كما أنّ هذه المبادرات الفردية كانت أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التحوّلات التقنية والاجتماعية. فعندما تغيّرت وسائط التوزيع من أشرطة في إتش إس إلى الأقراص المدمجة، ثم إلى المنصّات الرقمية، كان صنّاع الفيلم الأمازيغي من أوائل من تكيّفوا مع هذه التحوّلات، لأنّهم لم يكونوا مقيّدين بعقود أو الْتِزامات مؤسّساتية، ولم يكونوا بحاجة إلى موافقات رسمية لتغيير استراتيجياتهم. هذه المرونة، التي تنبع من روح الهواية، هي ما مكّن الفيلم الأمازيغي من البقاء حيّاً، رغم كل محاولات الإقصاء والتهميش.
اليوم، ومع ظهور منصّات مثل يوتيوب، انتقل الفيلم الأمازيغي إلى فضاء رقمي جديد، حيث أصبحت الإنتاجات قصيرة، وبإمكانيات بسيطة، وتوزَّع عبر قنوات رقمية، ممّا يطرح تساؤلات جديدة حول مستقبل هذه السينما في عصر المنصّات. فبينما كان الفيلم الأمازيغي، في عقود سابقة، يعاني من غياب الدولة، أصبح اليوم يعاني من حضور المنصّات الرقمية الكبرى التي تتحكّم في خوارزمياتها وفي شروط ظهور المحتوى. فاليوتيوب، مثلاً، لا يهتمّ بجودة الفيلم أو بقيمته الثقافية، بل يهتمّ بعدد المشاهدات والإعلانات، ممّا يدفع صنّاع المحتوى إلى إنتاج أفلام قصيرة وسريعة. فهل ستبقى روح الهواية قادرة على الصمود في وجه منطق المنصّات الرقمية، الذي يحوّل كل منتَج ثقافي إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب والخوارزميات؟ أم أنّ الفيلم الأمازيغي سيجد نفسه مضطرّاً للتكيّف مع هذا المنطق الجديد، ممّا قد يفقده جزءاً من فراديّته، ويحوّله من مشروع ثقافي وهويّاتي إلى مجرّد محتوى رقمي يتنافس في سوق المشاهدات؟
رغم هذه التحدّيات، تظل روح الهواية هي ما يميّز الفيلم الأمازيغي عن غيره من الإنتاجات السينمائية. هذه الروح هي التي جعلت أمثال سعيد شهب يحتفظون بذاكرتهم الفيلمية لعقود، ويبادرون إلى توثيقها عبر منصّات شعبيّة كفايسبوك، ويتفاعلون مع جمهورهم، ويشاركونهم صوراً وذكريات، وكأنّهم يؤسّسون، بهذه الممارسة اليومية البسيطة، لأرشيف بديل يملأ فراغ المؤسّسات، ويتحدّى هشاشة الأشرطة المتآكلة. إنّها، في جوهرها، عملية تأريخ من الأسفل، يكتبها أناس عاديون بدافع الحبّ والانتماء، بعيداً عن بروتوكولات البحث الأكاديمي الصارمة. لكنّها مع ذلك تقدم مادّة غنية لفهم ليس فقط تاريخ فيلم معيّن، بل تاريخ سينما بأكملها بانتظار من يكتبه.
إرادة جماعيّة
ويبقى أنّ هذه التجربة، في تناقضاتها وغناها، تتجاوز حدود فيلم واحد أو تجربة فردية، لتطرح أسئلة أكبر وأكثر إلحاحاً حول مستقبل الذاكرة الثقافية المغربيّة في زمن المنصّات الرقمية. هل يمكن للسينما الأمازيغية أن تخرج من هامشيتها الطويلة وتصبح جزءاً فاعلاً من المشهد السينمائي الوطني؟ وهل يمكن للمؤسسات الرسمية، التي تجاهلت هذا التراث لعقود، أن تعترف به اليوم وتحتضنه، دون أن تسطّحه، أو تسيّسه في خدمة خطاباتها الخاصة؟ أم أنّ الخيار الأكثر أماناً، وإن كان أكثر هشاشة، هو البقاء في فضاء الهواية، مع كلّ ما يحمله من حريّة وإبداع، ولكن أيضاً من عدم استمرارية وعرضة للضياع؟
هذه الأسئلة ليست مجرّد استفسارات نظرية، بل هي تحدّيات عملية تواجه كل من يشتغل على الثقافة الأمازيغية في المغرب اليوم. فالمشهد الثقافي المغربي يشهد تحوّلات عميقة، مع الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، ومع ظهور أجيال جديدة من الشباب الأمازيغي الذين يستخدمون المنصّات الرقمية للتعبير عن هويّتهم وثقافتهم بطرق مبتكرة. قد تظلّ هذه الأسئلة مفتوحة، إذ أنّ ذاكرة السينما الأمازيغية ليست مجرّد أرشيف جامد، بل هي عملية مستمرّة من البناء والتجديد، تشارك فيها إرادة جماعيّة وأجيال متعاقبة. فما دام هناك من يتذكّر، وما دام هناك من يكتب، وما دام هناك من يشاهد هذه الأفلام ويتفاعل معها، فإن الفيلم الأمازيغي سيظلّ حياًّّ، وسيظلّ تاريخه يُكتب، وإن كان بأدوات مختلفة، وبأساليب غير تقليدية، وفي فضاءات لا تتوقّعها المؤسّسات الرسمية.
وربّما يكون هذا هو الدرس الأهمّ لتجربة أزنزار. أنّ التوثيق، كالسينما، في جوهره فعل حبّ، وشكل من أشكال المقاومة - مقاومة النسيان، ومقاومة الإقصاء، ومقاومة كل المحاولات التي تسعى إلى جعل القصص الأمازيغية مجرّد فولكلور عابر، بدلاً من أن تكون ذاكرة جماعيّة وطنيّة حيّة، ومشروعاً ثقافياً مفتوحاً على المستقبل.
bio